مقالات طبية

📌 بروف أبشر حسين يكتب :  عندما نزل الطب إلى الشارع

مقال

♨️ مقال

📌 بروف أبشر حسين يكتب : 

عندما نزل الطب إلى الشارع 

 

 

◼️أجمل أيام حياتنا عشناها في كلية الطب. لم تكن مجرد سنوات دراسة، بل كانت مرحلة تشكّلٍ روحي وعقلي، فيها تخلّق الطبيب قبل أن يُمنح اللقب. ولو حاول الواحد منا أن يسرد ما شهدناه لاحتاج إلى مجلدات، لأن التفاصيل الصغيرة كانت هي التي تصنع المعنى الكبير.

 

◼️كانت علاقة الأستاذ بالطلاب في تلك الأيام علاقة تربية قبل أن تكون علاقة تدريس. لم يكن الأستاذ مجرد ناقل معرفة، بل كان نموذجًا يُحتذى. وكل أساتذة الكلية كانوا مميزين، لكلٍ نكهته الخاصة، وأسلوبه الذي يترك أثرًا لا يُمحى.

 

◼️ومن أولئك العظماء يظل أستاذنا الدكتور السر هاشم، مستشار طب الأطفال، عالمًا نحريرًا، وأستاذًا مهيبًا، وإنسانًا رفيع الخلق في تعامله مع المرضى وذويهم، كما مع طلابه. كنا نشعر بالسكينة ونحن نحضر محاضراته وجولاته التعليمية في مستشفى الخرطوم التعليمي. كان إذا دخل العنبر هدأت النفوس، وكأن الطمأنينة تمشي على قدمين.

 

◼️في إحدى الجولات التعليمية عرض علينا حالة لمرض Charcot–Marie–Tooth disease، وهو من أمراض الاعتلال العصبي الوراثي الطرفي، حيث يعاني الطفل من ضعف تدريجي في الساقين وتشوهات بالقدمين. وبعد أن شرح الحالة بتأنٍ وسلاسة، سألنا:

– هل رأى أحدكم طفلًا مصابًا بهذا المرض؟

قلت له: نعم، رأيت طفلًا كذلك.

فنظر إليّ باهتمام وسأل: أين رأيته؟

قلت: بالقرب من حائط الجامع الكبير، مع والدته.

انتهت الجولة، لكن السؤال لم ينتهِ في نفس الأستاذ.

 

◼️عدنا إلى داخلية حسيب بعد راوند في مستشفى سوبا الجامعي. كنت جالسًا في غرفتي مع الحبيب يوسف دفع الله، حين جاء أحد صبية البوفيه وأخبرني أن شخصًا ينتظرني بالأسفل. نزلت، فإذا بي أمام أستاذنا الدكتور السر هاشم.

◼️كانت دهشتي لا توصف. أستاذ بحجمه ومكانته يأتي بنفسه إلى داخلية الطلاب ليسأل عن طفل فقير ذُكر عرضًا في جولة تعليمية!

قال لي بهدوءه المعهود:

يا أبشر، أمشِ معاي نشوف المريض الساكن جوار الجامع الكبير.

◼️ذهبنا معًا إلى المحطة الوسطى، ووجدنا الطفل وأمه. فحصه بعناية، وتحدث إلى أمه بلطف، ثم طلب مني أن أحضره في اليوم التالي إلى العنبر. وبالفعل تم إدخاله، وأُجريت له الفحوصات اللازمة، ووُضعت له خطة علاج ومتابعة.

 

◼️ومن خلال أخذ التاريخ الاجتماعي، عرف أستاذنا علاقتي بالطفل وأمه. فقد كنا أنا والدكتور إبراهيم كوجان قد تعرفنا عليه فى احدى جولاتنا التفقديه.

 

◼️في تلك اللحظة أدركت أن الدرس لم يكن عن اعتلال الأعصاب فقط. كان درسًا في معنى أن تكون طبيبًا.

الطب الذي تعلمناه في القاعات كان علمًا.

أما الطب الذي رأيناه في سلوك الأستاذ فكان أخلاقًا.

لقد علّمنا أن الطبيب لا ينتظر أن تأتيه الحالة في سرير المستشفى، بل يسعى إليها إن علم بوجودها. وأن السؤال الذي يُطرح في جولة تعليمية ليس فضولًا علميًا، بل قد يكون بداية مسؤولية. وأن المعرفة إذا لم تتحرك نحو الألم الإنساني تبقى ناقصة.

 

◼️القدوة لا تُدرَّس في المناهج، لكنها تُحفر في الذاكرة.

وقد كان نزول الأستاذ إلى الشارع يومها أبلغ من ألف محاضرة في أخلاقيات المهنة.

ربما ننسى تفاصيل التحاليل ونتائج الفحوصات، لكننا لا ننسى صورة أستاذ كبير يمشي في طرقات أم درمان باحثًا عن طفل مريض سمع عنه عرضًا في درس. تلك الصورة هي التي صنعت فينا الطبيب الذي يرى الإنسان قبل المرض، والظرف قبل التشخيص، والرحمة قبل الوصفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى