مقالات طبية

📌مدير التدريب الأسبق بمجلس التخصصات الطبية د. محمد عبد المنعم محمود بشير يكتب : البروفيسور مصطفى إدريس إداري هادئ، حازم في القضايا الجوهرية

د. محمد عبد المنعم محمود بشير

جالينوس الطبي الصحة من لدن خبير

📌مدير التدريب الأسبق بمجلس التخصصات الطبية د. محمد عبد المنعم محمود بشير يكتب : البروفيسور مصطفى إدريس إداري هادئ، حازم في القضايا الجوهرية.

✍️محمد عبد المنعم محمود بشير.

🔳في السودان، كثير من أفضل الإداريين لا تُكتب عنهم التقارير… لكن تُروى عنهم أصدق الحكايات.!

فهل نكتب التاريخ بالأرقام؟ أم نتركه لذاكرة الشهود… بما فيها من وفاء، ومن حيادية؟

🔳تحت شمس الخرطوم التي لا ترحم في ظهيرةٍ من ظهيرات أبريل، كنتُ أقف عند بوابة «البركس»—حيث تختلط رائحة التاريخ بعرق الطلاب—وأتأمل ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق القرارات الكبيرة. هناك، مرّ رجلٌ… لا، عَبَرَ أكثر مما مرّ. ترك أثراً يشبه خطَّ نهرٍ في الرمل، قد تذروه الرياح، لكنه لا يُمحى. بروفيسور مصطفى إدريس البشير مرّ من هنا—وهنا ليست مجرد إشارة مكان، بل شهادة زمن.

🔳الحقيقة إنَّ—وأنا أكتب هذه الكلمات—أستعيد صوته الهادئ، الذي لا يعلو، لكنه يُسمع. تلك نبرة العارف الذي لا يحتاج أن يثبت شيئاً. في زمنٍ صاخبٍ بالمزايدات، كان الرجل يمشي على مهل، كمن يعرف أن الحقيقة لا تُقال دفعةً واحدة، بل تُبنى لبنةً لبنة.

🔳في الجذور… حيث تبدأ الحكايات جامعة الخرطوم ليست مجرد مبانٍ، بل هي كائن حيّ—ينبض، يمرض، ويقاوم. والبركس، ذلك الحرم الداخلي، كان دائماً أشبه بقلبٍ قديم، تتدفق إليه الذاكرة من كل صوب. حين تولّى مصطفى إدريس إدارة الجامعة، لم يرَ في الأرض مجرد مساحات قابلة للاستثمار، بل رأى فيها تاريخاً، و—نعم—كرامة مؤسسة.

🔳جاءته المقترحات، مغلّفة بلغة الاقتصاد الحديث: “استثمار”، “شراكات”، “عوائد”. كلمات براقة، لكنها في العمق كانت تعني شيئاً آخر. بيع أجزاء من ذلك القلب.

🔳لكنْ، هل يمكن أن تُباع الذاكرة؟ هل يمكن أن تُقوّم الأرض التي مشى عليها عبد الله الطيب، أو جلس فيها محجوب عبيد؟ سؤالٌ بدا بسيطاً، لكنه كان مفصلياً.

🔳يقول أحد المقربين—ممن عاصروا تلك الفترة—إن البروف قال جملةً لا تُنسى: “الجامعة ليست مؤسسة استثمارية”. ثم صمت. ذلك الصمت كان أثقل من أي خطاب.

🔳الموقف الذي كلفه… كل شيءفي الواقعِ، حين رفض بيع أراضي البركس بغرض الاستثمار، لم يكن يتخذ قراراً إدارياً فحسب، بل كان يضع نفسه في مواجهة تيارٍ كامل. تيار يرى في المؤسسات العامة مخزوناً قابلاً للتسييل.

🔳الإحصائيات تُظْهِرْ أن أكثر من نصف الجامعات في المنطقة بدأت تعتمد على استثمارات عقارية لتعويض نقص التمويل. لكن مصطفى إدريس اختار طريقاً آخر في تلك الفترة فرفض التنازل عن ملكية أجزاء من ممتلكات الجامعة، اعترض على التغول بالنزع علي أراضي الجامعة، حاول إيقاف القرار عبر قنوات رسمية… كتب واحتج. الحقيقة كان هناك تشابك سياسي-مؤسسي مع نفوذ رئاسي لقضية كانت جزءاً من سياسة أوسع.

🔳رفض. ببساطة، وبدون ضجيج.وهذا الرفض، كما يحدث غالباً في عالمنا العربي، لم يمرّ مرور الكرام. الضغوط تكاثفت. الاجتماعات طالت. الهمسات تحولت إلى قرارات.وفي نهاية المطاف، دفع الثمن.أُعفي من منصبه.هكذا، بجملةٍ باردة في بيان رسمي…وهذا يذكرني بـ

🔳يذكرني بكثيرين دفعوا ثمن مواقفهم، لكن قلّة من فعلوا ذلك بنفس الهدوء.. العالِم الذي لم تُحدّه القاعات لم تكن الكيمياء الحيوية عند مصطفى إدريس مادة تُدرّس فقط. لم تكن فصولاً في كتاب، ولا معادلات تُحفظ. كانت رؤية.”لم تكتفِ الكيمياء الحيوية… أن تكون علماً في القاعات، بل تسللت إلى كل شيء.”وحقاً.

🔳الكيمياء الحيوية في كل إيقاعٍ للحياة، فكل تفاعلٍ يُترجم لمعني، تكتب جمالها الصامت من نبض الجنين وحتى في دهاليز المناعة، حيث المعارك لا تُرى، لكنها تُحسم.”الكيمياء الحيوية ليست تخصصاً… هي لغة.”لغة يفهم بها الجسد نفسه.

🔳وبذا كان البروفيسور مصطفي إدريس يرى الترابط، حيث يرى الآخرون التخصصات المنفصلة.. وهنا يكمن تفرده.أستاذ جامعي؟ نعم.لكن أكثر من ذلك—مُوحِّد للمعرفة.

🔳في قاعة الامتحان… لحظة لا تُنسى أذكر—وأنا أكتب الآن، وربما أبتسم—ذلك اليوم في السنة الثالثة. تم تحويلي إلى prize panel، بعد أن كنت موزعاً على لجنة أخرى. لم أفهم وقتها لماذا. القلق كان سيد الموقف.دخلت القاعة.

كان يجلس هناك، إلى جانب د. أحمد فهمي.صمتٌ قصير.ثم بدأ الامتحان الشفهي لجائزة البايوكمستري.

🔳لم يكن يسأل ليصطاد الأخطاء، بل ليكشف طريقة التفكير. سؤالٌ يتبعه صمت. ثم نظرة. ثم—أحياناً—ابتسامة خفيفة، إذا اقتربت من الإجابة.كان عالماً نحريراً. مبهراً، نعم، لكن دون استعراض.

🔳تخرج من عنده وأنت تشعر أنك لم تُختبر فقط، بل تعلّمت.

وهذا—في تقديري—أندر من النجاح نفسه.

الإدارة كفنّ… لا كسلطة

🔳كإداري، كان مصطفى إدريس حالة خاصة. لم يكن صاخباً، ولا محباً للأضواء. لكنه كان حاسماً.

يعرف متى يتدخل، ومتى يترك الأمور تنضج.

التقارير تشير إلى أن فترة إدارته شهدت استقراراً أكاديمياً معتبراً.

كان يؤمن أن الجامعة تُدار بالعقل، لا بالأوامر.

وبالقيم، لا بالموازنات فقط.

السياسة… حين تتقاطع مع العلم

🔳من المدهش—وربما المؤلم—أن نرى كيف تسلل ذوو الخلفيات الأكاديمية إلى السياسة السودانية… خرجوا من المعامل إلى مراكز القرار.

لكن مصطفى إدريس اختار طريقاً مختلفاً.

لم يترك العلم ليذهب إلى السياسة، بل حمل القيم العلمية إلى الإدارة.

وهذا فرقٌ كبير.

كقوله تعالى: “وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ”… كان يؤمن أن القرار يجب أن يُبنى على معرفة، لا على هوى.

خسارة منصب… أم ربح موقف؟

قد يقول قائل: خسر منصبه.

وهذا صحيح—جزئياً.

لكنه ربح شيئاً آخر.

ربح احتراماً لا يُشترى.

في زمنٍ تُباع فيه المواقف، كان هو—استثناءً—يشتري كرامته بثمنٍ غالٍ.

وهنا المفارقة.

الامتداد… أثر لا ينتهي

🔳اليوم، حين تمشي في أروقة كلية الطب، أو تجلس في قاعة قديمة، أو حتى تنظر إلى تلك الأراضي التي لم تُبع… تشعر أن الرجل لا يزال هناك.

ليس بجسده، بل بأثره.

طلابه منتشرون—في الداخل والخارج—يحملون شيئاً منه. ليس فقط العلم، بل الطريقة.

طريقة التفكير. طريقة الوقوف.

🔳وفي الختام… سؤال مفتوح

هل نحتاج اليوم إلى مزيد من العلماء؟ أم إلى مزيد من أصحاب المواقف؟

سؤالٌ يبدو بسيطاً.

لكن، حين نتأمل سيرة رجلٍ مثل مصطفى إدريس، ندرك أن الإجابة قد لا تكون “أو”… بل “و”.

علمٌ… وموقف.

🔳فهل نملك الشجاعة لنجمع بينهما؟ أم سنظل—كما نحن—نُجزِّئ ما لا يُجزَّأ…؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى