مقالات طبية

📌بروفيسور أبشر حسين يكتب :الفتيحاب… مدينةٌ أحبها وتحبني .. عندما انحرفت بي الركشة

بروفيسور أبشر حسين

جالينوس الطبي.. الصحة من لدن خبير

📌بروفيسور أبشر حسين يكتب :الفتيحاب… مدينةٌ أحبها وتحبني .. عندما انحرفت بي الركشة

✍️ بروفيسور أبشر حسين

🔳الفتيحاب مدينةٌ لا أمرّ بها مرور العابر، بل أدخلها كما يدخل الإنسان إلى جزءٍ من نفسه. أحبها… وأشعر، في يقينٍ داخلي عجيب، أنها تبادلني هذا الحب. أحب المشي في شوارعها، والتأمل في ناسها، وبيوتها، وفي ذلك الحراك الاجتماعي والإنساني الذي يجعل المكان حيًّا نابضًا لا مجرد جغرافيا.

🔳حين تسير في أزقتها، تشم رائحة التاريخ قبل أن تراه. لكل شارع فيها حكاية، ولكل بيت ظلٌّ من ذاكرة، ولكل وجه قصة تستحق أن تُروى. الفتيحاب ليست مجرد حيٍّ من أحياء أم درمان، بل هي حالة وجدانية خاصة، مدينة تعرف كيف تحتضن الآخر، وكيف تمنحه شعور الانتماء دون سؤال.

🔳فيها ترى كل السحنات القادمة من مختلف أنحاء هذا الوطن الجميل الذي اسمه السودان؛ الشمالي والجنوبي، الشرقي والغربي، ابن النيل وابن البادية، الجميع يجدون فيها مكانًا، وكأنها نموذج مصغّر للسودان الذي نحلم به: وطنٌ يتسع للجميع.

🔳ولي في الفتيحاب عشق خاص لمساجدها وخلاويها؛ تلك الأماكن التي لا تمنحك السكينة فقط، بل تعيد ترتيب روحك من الداخل. ولي محبة خاصة للشيخ محمد الخير، ذلك الرجل الذي لا تملك إلا أن تشعر بالقرب من الله حين تجلس إليه. وعن طريقه عرفت أحمد ود سلمان، وتأملت طويلًا في شخصية علي المبارك، ذلك الرجل المحب، الذي كانت إنسانيته تسبق اسمه، وكان حضوره يترك في النفس أثرًا لا يُنسى.

🔳وأذكر يومًا من الأيام، كنت ماشيًا على قدمي — وهذه عادتي التي لا أتركها إلا مكرهًا — خارجًا من بيت أبناء الباهي الطيب، وشاقًّا الطريق نحو مسيد الشيخ محمد الخير. كنت مستغرقًا في تأملاتي المعتادة، احاول حل بعض الامور المستعصية ووضع خطط لاوراق علمية وكذلك التفكير فى محاضرة قادمة او ربط بعض الامور الطبية والفقهية وكذلك ألتأمل فى الحراك اليومى للناس والبيوت والوجوه، حين توقفت بجانبي رقشة.

🔳السائق أشار إليّ أن أركب. وكعادتي، رفضت، فأنا لا أحب أن أركب مع أي شخص واحب المشى. لكنه أصرّ إصرارًا شديدًا، وأخذ يحلف بأغلظ الأيمان أن أركب معه، قائلاً إنها فقط “جبر للخواطر”، وأنه يريد أن يوصلني إلى المسيد. وتحت إلحاحه الشديد، وافقت أخيرًا وركبت.

🔳في البداية، سار في الاتجاه الذي أعرفه، لكن بعد قليل لاحظت أنه انحرف عن طريق المسيد. نظرت إليه متعجبًا، لكنه لم يقل شيئًا. وفجأة توقف أمام منزل متواضع، نزل بسرعة، وفتح الباب وهو يصيح بصوت عالٍ:
— جبت ليكم دكتور أبشر!

🔳كنت ما أزال جالسًا، فاتح الفم من الدهشة، لا أفهم ما الذي يحدث. دخلت معه إلى المنزل، فإذا بي أمام غرفة صغيرة متواضعة، وعلى سرير بسيط رجل في السبعين من عمره، مستلقٍ لا يستطيع الحركة.

🔳نظر إليّ الرجل بعينين فيهما رجاء طويل، وقال بصوت متعب:
— أنا لي أسبوع بهاتي بيك… لا حق مواصلات ولا حق كشف يجيبني ليك.

🔳في تلك اللحظة، فهمت كل شيء. لم يكن الأمر مصادفة، بل كان ترتيبًا إنسانيًا خالصًا، صنعته الحاجة وصادقته الرحمة.

🔳جلست إلى جواره، وكشفته سريريًا، ومن خلال الفحص والتاريخ المرضي ترجّح لدي أنه يعاني من التهاب مزمن في الأعصاب الطرفية. وصفت له العلاج المناسب، وأخبرته أن يذهب إلى الأخ مدثر الباهي، مسؤول عيادة بروف داوود الخيرية، حيث توفر الجمعية العلاج مجانًا للمرضى المحتاجين.

🔳ومنذ ذلك اليوم، أصبحت أمر عليه مرة كل أسبوع. لم تكن الزيارة مجرد متابعة طبية، بل كانت درسًا جديدًا في كيفية ترتيب العناية الالهية.

🔳بدأ الرجل يتحسن تدريجيًا، أسبوعًا بعد أسبوع، حتى جاء اليوم الذي رأيته فيه يمشي وحده، بلا عصا ولا مساعدة. كانت فرحته أكبر من أن تُوصف، وكانت سعادتي به مضاعفة، لأن الشفاء هنا لم يكن شفاء جسد المريض ، بل درسا لى كم من هناك من الاف المرضى لايستطيعون للوصول للطبيب.

🔳ذلك اليوم علّمني شيئًا لا أنساه: أن بعض الطرق التي نظن أننا نسير فيها إلى وجهة محددة، تكون في الحقيقة طريقًا ساقنا الله فيه إلى إنسان ينتظرنا.

🔳وهكذا هي الفتيحاب… لا تمنحك فقط الذكريات، بل تمنحك المعنى. فيها تعلمت أن المدينة ليست مباني وشوارع، بل وجوه وقلوب ومواقف صغيرة تتحول مع الزمن إلى جزء من سيرتك الشخصية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى