مقالات طبية

📌الصراع حول المناهج التعليمية في السودان: بين التأصيل القيمي ورياح الحداثة.

مزمل بخيت إبراهيم

منصة جالينوس الطبي.. الصحة من لدن خبير 

📌الصراع حول المناهج التعليمية في السودان: بين التأصيل القيمي ورياح الحداثة

✍️مزمل بخيت إبراهيم 

🔳يُشكل التعليم حجر الزاوية في بناء أي أمة، وهو المرآة التي تعكس هويتها وتطلعاتها المستقبلية. وفي السودان، لم تكن قضية تغيير المناهج مجرد شأن فني أكاديمي، بل تحولت إلى معركة فكرية كبرى تجلت بوضوح في التباين بين الرؤية التي تعتبر العقيدة “محركاً للتربية” وبين رؤية الدكتور القراي التي رآها البعض محاولة للاستغناء عن الثوابت بحجة الانفتاح.

🔳أولاً: العقيدة كمحرك للسلوك (الرؤية التأصيلية)

تنطلق الرؤية الأصيلة في التربية من قناعة راسخة بأن التعليم لا ينفصل عن القيم الروحية. فالعقيدة في هذا السياق ليست مادة للحفظ والامتحان، بل هي:

 **بوصلة أخلاقية: تهدف إلى صياغة شخصية الطالب بحيث يكون سلوكه نابعاً من رقابة ذاتية وإيمان عميق، مما يجعل من “الأمانة” و”الإتقان” عبادة قبل أن تكون التزاماً وظيفياً.

 ***حصانة ثقافية:* تعمل كدرع يحمي الأجيال من الاستلاب الثقافي في عصر العولمة، معتبرة أن التقدم الحقيقي هو الذي ينطلق من الجذور لا الذي يقطعها.

 ثانياً: رؤية القراي وفلسفة “التحرر من القيد”

في المقابل، قدم الدكتور القراي وفريقه طرحاً يرى أن المناهج التقليدية كانت “مُسيسة” ومثقلة بحمولات أيديولوجية أعاقت التفكير النقدي. ومن أبرز ملامح هذه الرؤية:

  **مركزية العلم والعقل: التركيز على المنهج العلمي التجريبي وتنمية مهارات التحليل بعيداً عن التلقين الذي ساد لعقود.

  **الانفتاح العالمي:*السعي لتقديم مناهج تتسق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان والمواطنة العالمية، حيث يُنظر إلى “العقيدة المكثفة” في المناهج كحواجز قد تعيق الاندماج في الفضاء الإنساني الواسع.

 ثالثاً: جوهر الصدام (الجمود مقابل التغريب)

يكمن الفرق الجوهري في تعريف “التقدم”. فبينما يرى المدافعون عن التربية العقدية أن **الاستغناء عن المحرك القيمي سيؤدي إلى جيل بلا هوية، يرى معسكر القراي أن **التمسك بالأطر القديمة هو نوع من الجمود الذي يمنع الطالب السوداني من اللحاق بركب النهضة الحديثة.

فبينما كان يُنظر للعقيدة كـ “مُحفز”، صنفها القراي في ممارساته وفلسفته كـ “عائق” أمام التحديث، مما خلق فجوة عميقة في الثقة بين واضعي المنهج والمجتمع الذي يعتبر دينه وعقيدته خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه في مسيرة التربية.

 خاتمة

إن ما نحتاجه في التربية ليس مفاضلة بين “العلم” و”العقيدة”، بل هو تكامل يجمع بين *قوة الروح* وانطلاق العقل إن التجربة السودانية الأخيرة أثبتت أن أي محاولة لتغيير المناهج دون مراعاة الوجدان الشعبي والإرث العقدي ستواجه برفض مجتمعي، مما يؤكد أن الإصلاح التعليمي الحقيقي يجب أن يكون نابعاً من بيئة المجتمع وملبياً لمتطلبات العصر في آن واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى