مقالات طبية

📌 استشاري طب الأطفال والأمراض المعدية وطب المناطق المدارية بروفيسور ولي الدين النور محمد الفكي يكتب : التطعيمات و جدل نظرية المؤامرة

📌 استشاري طب الأطفال والأمراض المعدية وطب المناطق المدارية بروفيسور ولي الدين النور محمد الفكي يكتب : التطعيمات و جدل نظرية المؤامرة

♨️ مقال 

 

📌 استشاري طب الأطفال والأمراض المعدية وطب المناطق المدارية بروفيسور ولي الدين النور محمد الفكي يكتب : التطعيمات و جدل نظرية المؤامرة 

✍️ بروفيسور ولي الدين النور محمد الفكي 

1/مقدمة

في الأيام الماضية انتشر فيديو لأحد الزملاء الأطباء في الوسائط يشكك في التطعيم وجدواه، بل يربطه بنظرية المؤامرة. تحدث الزميل عن التطعيمات وذكر معلومات غير صحيحة عن ربط تطعيم شلل الأطفال في دولة كينيا بالعقم، وهي معلومة غير صحيحة، بل شائعات لم تثبت بدراسات. والأمر المتوقع ممن هم مثله عدم نشر معلومات خاطئة لم تثبت بالبحوث الرصينة المنشورة، خصوصاً في موضوع مثل تطعيم الأطفال والذي يرتبط بالوقاية من أمراض خطيرة مسببة للإعاقة وقاتلة.

وإنه لأمر غريب أن يتم الاستشهاد برأي سياسيي في موضوع علميّ وطبي مثل هذا، حيث استشهد الزميل بحديث لوزير لدولة عظمى معروف عنه مناهضة التطعيمات حتى قبل توليه الوزارة، ولو كان الاستشهاد من شخص عاديٍّ لما أثار استغرابنا، ولكن أن يأتي من طبيب ممارس وخبير، فإنه أمر علينا التوقف عنده.

شكك الطبيب في الوفيات التي كانت تحدث بسبب الأمراض المعدية المستهدفة بالتطعيم مثل الحصبة، وهذه معلومة لا تحتاج لكثير اجتهاد لتفنيدها، فالبحوث والتقارير الموثقة لذلك أكثر من أن تحصى، كما وأنه كل الأسر تذكر تاريخاً قريباً تفقد فيه كل أسرة تقريباً طفلاً بسبب الحصبة أو السعال الديكي أو غيرهما.

أما حديثه عن السل فهو الأكثر غرابة، فكل ما ذكره عنه خطأ حتى في بعض المعلومات البديهية المعلومة لكل العامة، دع عنك الأطباء أو الأطباء المتخصصين، وهي طرق الانتقال عبر التنفس الذي ذكره كمثالٍ ونفاه.

2 / استعادة لذكرى سجال سابق في موضوع التحصين 

حين أطالع هذه الادعاءات اليوم، تعود بي الذاكرة عقدين من الزمان، حين خضنا سجالاً فكرياً وعلمياً مع أحد الشيوخ الأجلاء وبعض الرافضين آنذاك، الذين كانوا يصورون التطعيم كأنه رجس من عمل الشيطان، وأنه إحدى أدوات سيطرة لقوى الغرب علينا، وأنه من مؤامرات الماسونية. وقفنا بصلابة العلم وحجة الواقع، وقد نظمت جريدة أخبار اليوم ندوة شاركنا فيها فطرحنا فيها حججنا وطرح الشيخ وجماعته كذلك. أعقب ذلك اجتماع حوار ونقاش في أروقة وزارة الصحة برعاية الوزيرة د. تابيتا بطرس آنذاك. كانت خاتمة تلك السجالات جيدة، حيث تراجع الشيخ الجليل (رحمه الله) وعاد وكتب في عموده الصحفي لاحقاً عكس ما كتبه أولاً، وكانت تلك قصة نجاح.

إن عودة هذا الخطاب اليوم، وبثوب طبيٍّ للأسف، ما هو إلا اجترار لضلالات قديمة قبرها العلم منذ زمن، لكنها تطل برأسها كلما استبدت بالناس الحيرة وخرج منهم من يبشر بخطابات تعود بنا إلى أزمان التخلف.

3/ فرية المؤامرة وتقليل السكان

 إن الزعم بأن اللقاحات صُنعت لتقليل نسل المسلمين أو سكان القارة الأفريقية هو زعم يفتقر لأدنى منطق رياضيّ أو إحصائي. فمنذ توسع برامج التحصين الموسع (EPI) في السبعينيات، شهد العالم انفجاراً سكانياً غير مسبوق، وارتفع متوسط العمر المتوقع في أفريقيا والسودان بشكل ملحوظ. لا أريد أن أزحم المقال بإحصائيات، ولكن العودة والبحث في السجلات الإحصائية الوطنية للدول الأفريقية ولقواعد بيانات مؤشرات التنمية العالمية للبنك الدولي وقواعد بيانات الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية نجد أن متوسط العمر في أفريقيا في السبعينيات كان 47 عاماً، وقد وضحت الإحصاءات أن سبب هذا التدني هو نقص اللقاحات وضعف الرعاية الطبية، ومتوسط العمر في أفريقيا اليوم هو 65 عاماً. وقد وضحت الإحصاءات أن أحد أهم التدخلات التي ساهمت في ذلك هو تحسن خدمات رعاية الأمومة والطفولة والتي تعتبر التطعيمات من أهم عناصرها، وهي معلومات متاحة بضغطة زر لكل من أراد. فكيف لمؤامرة تقليل سكان أن تزيدهم عدداً وتمنحهم عمراً أطول؟ إن اللقاحات هي التي منعت موت الملايين من أطفالنا قبل سن الخامسة، وهي التي جعلت الموت الطفولي استثناءً بعد أن كان قاعدة في بيوتنا السودانية القديمة.

وما زلت أذكر ما ظل يردده لنا أستاذنا الجليل عبد الرحمن حسين المفتي رحمه الله، أن أهم تدخل طبي مجدٍ اقتصادياً، فعالٌ وموفر للتكاليف بعد اكتشاف البنسلين، هو التطعيمات ضد أمراض الطفولة.

4/ أكذوبة العقم والسرطان

 يتحدث البعض بغير علم عن علاقة اللقاحات بالعقم والسرطان، وهنا نؤكد:

• العقم: لا يوجد أي مكون في اللقاحات (سواء شلل الأطفال، الحصبة، أو الخماسي أو غيرهم) له القدرة الفيزيولوجية على التأثير في الهرمونات أو الجهاز التناسلي. إنها محض إشاعات تُستخدم لإثارة الذعر في المجتمعات المحافظة، بل ليس هناك حتى تلك الدراسات الضعيفة غير المحكمة تدعي وجود تلك العلاقة، والبينة على من يدعي.

• السرطان: اللقاحات تخضع لرقابة صارمة من منظمة الصحة العالمية وهيئات الرقابة الوطنية، والهدف منها هو تحفيز الجهاز المناعي لا تغييره جينياً. بل على العكس، على المواطن البسيط الذي ليس له علاقة بالطب أن يعرف أن لقاحات مثل لقاح التهاب الكبد الوبائي “ب”، والذي تنشط وزارة الصحة السودانية حالياً في تنظيم حملات واسعة له، يعتبر تطعيماً ضد سرطان الكبد المرتبط بالتهاب الكبد البائي، وكذلك تطعيم فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) يعتبر تطعيماً وقائياً بصورةٍ مباشرة ضد سرطان عنق الرحم المرتبط بذلك الفيروس. إذاً بعض التطعيمات هي تطعيمات في الأصل ضد السرطان لا مسببة له.

5 / مخاطر التضليل في الواقع السوداني الراهن

 نحن في السودان نعيش ظرفاً استثنائياً؛ حيث النزوح، وتدهور البيئة، وضعف النظام الصحي. وبسبب هذا الظرف الاستثنائي في الثلاث سنوات الماضية، سجلت وزارة الصحة والمنظمات ما لا يقل عن أربعة انتشارات وبائية لأمراض يمكن مكافحتها بالتحصين، تسببت في كثير من الوفيات، وقد سجلت حالات وبائية للحصبة، الدفتريا، الكوليرا والسعال الديكي، مصحوباً ذلك بانخفاض التغطية بالتطعيمات الروتينية.

فهل نحن في مثل هذه الأوضاع نحتاج لمن يبشر بالتطعيمات ويساند الوزارة، أم نحن بحاجة إلى إطلاق مثل هذه الفتاوى الطبية المضللة؟ إن سلوك التضليل ونشر معلومات خاطئة تؤدي إلى العزوف عن تحصين الأطفال هو بمثابة جريمةٍ معلنة ومكتملة، وكذلك فإن انخفاض نسبة التغطية بالتطعيم بسبب الخوف المفتعل يعني حتماً:

• عودة شلل الأطفال ليحصد حركة صغارنا.

• تفشي الحصبة في معسكرات النازحين وفي كل مكان لتفتك بالأطفال المصابين بسوء التغذية.

• ضياع عقود من الجهد الوطني الذي بذلته أجيال من الأطباء والكوادر الصحية السودانية.

◼️6/ إلى الزملاء والمشككين..

 العلم أمانة لا بورصة آراء

 إن مهنة الطب تقوم على الدليل العلمي (Evidence-based Medicine)، وليس على مقاطع الفيديو العاطفية أو النظريات الظنية. إن من حق أي طبيب أن يبحث، لكن ليس من حقه أن يحوّل هواجسه الشخصية إلى حقائق طبية يضلل بها العامة. إن الكلمة التي تخرج من لسان طبيب يثق فيه الناس قد تكون سبباً في حرمان طفل من قطرة منقذة للحياة، فليتقِ الله كل من يتحدث في شأن العامة بغير برهان منيرٍ.

◼️7/ رسالة إلى الأسر السودانية

 لقد عرفتم بالوعي والذكاء الفطري، لا تتركوا فلذات أكبادكم لقمة سائغةً للخزعبلات المنشورة عبر الواتساب والفيسبوك. إن التطعيم هو أعظم إنجاز بشري في تاريخ الطب، وهو أكبر تدخل قدمه العلم للإنسانية. انظروا إلى من حولكم، كم من طفل سلم من الشلل بفضل هذه النقطة؟ وكم من بيت نجا من غمة الوفاة بفضل تلك الحقنة؟

🔥أستاذ طب الأطفال جامعة بحري

🔥استشاري طب الأطفال والأمراض المعدية وطب المناطق المدارية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى