مقالات طبية

📌مزمل بخيت إبراهيم يكتب : مشروعية الوظيفة.. وتجريف المؤسسية في الدولة السودانية

مزمل بخيت إبراهيم

جالينوس الطبي الصحة من لدن خبير

📌مزمل بخيت إبراهيم يكتب : مشروعية الوظيفة.. وتجريف المؤسسية في الدولة السودانية. 

✍️ مزمل بخيت إبراهيم

🔳اخترت هذا العنوان لتسليط الضوء على مفهوم مغلوط وشائع في الثقافة السياسية السودانية، وهو مفهوم “مشروعية المنصب”؛ سواء كان سياسياً، تنفيذياً، إدارياً، أو قيادياً. وهي حقائق قد تبدو معلومة لبعض النخب، لكنها غائبة تماماً عن وعي الكثيرين، مما أنتج خلطاً مفاهيمياً خطيراً ألقى بظلاله على كفاءة الدولة.

🔳في النظم الإدارية الحديثة، تنقسم الوظائف والمناصب إلى مستويات واضحة تحكمها قوانين مستقرة:
مناصب تستمد شرعيتها من القانون مباشرة: وهي وظائف هيكلية راسخة تنشأ وتستمر وتنتقل قانونياً دون تدخّل من السلطة السياسية أو التنفيذية في إيجادها أو إنهائها.
وظائف تعاقدية: تحكمها علاقات مباشرة بين الأفراد والمؤسسات، ويضبطها “قانون العمل او الخدمة المدنية” واللوائح المنظمة له.
وظائف قيادية سياسية (تعيينية):تُنشأ خصيصاً لتنفيذ سياسات ومستهدفات مرحلية، وتحكمها رؤية الجهة السياسية التي أنشأتها وشغلتها. هذه الوظائف ترتبط وجوداً وعدماً بالحزب أو الحكومة المعنية، وتنقضي بانتهاء دورتها السياسية.

🔳التخبط الإداري وتجريف الخدمة المدنية
إن هذا التخبط والخلط في فهم طبيعة الوظائف السياسية والتنفيذية هو أحد أكبر الأزمات التي أرهقت الدولة السودانية عبر العقود. فقد اختلطت النظرة الحزبية الضيقة بالعمل الخدمي المهني للدولة، وتحول الالتزام الوظيفي في كثير من الأحيان إلى ولاء حزبي.
وما نشهده اليوم يعد دليلاً صارخاً على هذا الخلل؛ فبالرغم من الاختلاف الجذري بين سياسات حكومة رئيس الوزراء السابق د. عبد الله حمدوك، وتوجهات الحكومة الحالية التي تتبنى مبدأ إنهاء التمرد، ودعم المؤسسة العسكرية، وتأكيد استقلالية السياسة الخارجية، وإعلاء قيم الانتماء والوطنية؛ إلا أننا نجد مفارقة غريبة. إذ لا تزال هنالك وظائف قيادية عليا (ذات طابع سياسي وتوجيهي) يشغلها أشخاص تم اختيارهم أساساً لتنفيذ أجندة ورؤية حكومة “قحت” السابقة، وما زالوا يمارسون مهامهم رغم التباين الكلي في التوجهات والخط العام للدولة الحالية!
معضلة القيادة العليا: التكنوقراط والمسار السياسي

🔳لا يختلف اثنان على أن العمل التنفيذي البيروقراطي في مؤسسات الدولة يجب أن ينأى بنفسه عن التجاذبات الحزبية، بل إن الموظف التنفيذي المحترف يصبح أداة لتنفيذ سياسة الدولة العامة حتى وإن خالفت قناعاته الشخصية، وهو ما يُعرف بـ “حيدة الوظيفة العامة”.
لكن هذا المبدأ لا يمكن إسقاطه بحذافيره على الوظائف القيادية العليا والسيادية؛ لأن شاغلي هذه المناصب يملكون سلطة توجيهية وقدرة هائلة على التأثير في صياغة القرار، وتوجيه العاملين، وصناعة السياسات. بالتالي، فإن وجود قيادة في قمة الهرم الإداري تعمل بعقيدة سياسية مناقضة لتوجهات الدولة الحالية يخلق حالة من “الإنفصام الإداري” وشلل القرار.
المجلس الطبي السوداني: نموذجاً ومثالاً
هذا التنازع هو بالضبط ما جرى في المجلس الطبي السوداني.ونوعا ما مجلس التخصصات الطبية، حيث احتدم الصراع بين اتجاهين: اتجاه مهني خدمي يسعى لاستقرار المهنة، واتجاه سياسي حاولت من خلاله الأيدي الحزبية ممارسة أدوار سالبة. وللأسف، دفع ضريبة هذا الصراع قطاع عريض من متلقي الخدمة، وعلى رأسهم الأطباء، مما انعكس سلباً على الوطن والمواطن في قطاع حيوي لا يحتمل المغامرات السياسية.
🔳إن هذه السطور ليست مجرد رصد لواقع، بل هي فاتحة لدراسة معمقة ومستفيضة حول الآثار التدميرية لتدخل السياسيين في مؤسسات الدولة القومية بدون وجه حق، وكيف تحول التمكين المتبادل إلى خنجر في خاصرة المؤسسية السودانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى