📌 استشاري طب المجتمع.. استشاري الجودة وتخطيط المستشفيات د. شاكر عبدالرحمن يكتب سلسلة مفهوم الجودة في الخدمات الصحية // الجودة المتكاملة ((5))
د. شاكر عبدالرحمن

جالينوس الطبي الصحة من لدن خبير
📌 استشاري طب المجتمع.. استشاري الجودة وتخطيط المستشفيات د. شاكر عبدالرحمن يكتب سلسلة مفهوم الجودة في الخدمات الصحية // الجودة المتكاملة ((5))

د. شاكر عبدالرحمن
🔳ادارة الجودة في المؤسسات الصحية.. من اكتشاف الأخطاء إلى الوقاية والتحسين المستمر.. لم تعد جودة الخدمات الصحية مجرد عملية تفتيش أو بحث عن الأخطاء بعد وقوعها، بل أصبحت نهجاً إدارياً متكاملاً يشارك فيه جميع العاملين، ويهدف إلى تحسين الخدمات والعمليات بصورة مستمرة، وتحقيق احتياجات وتوقعات المرضى والعاملين في المؤسسة الصحية.
🔳وتُعرَّف إدارة الجودة المتكاملة بأنها عملية إدارية وتنظيمية متداخلة تستخدم الموارد البشرية والأساليب الكمية لتحسين الإجراءات والخدمات، بدءاً من المدخلات والموارد، مروراً بالعمليات والإجراءات، وانتهاءً بالنتائج ورضا المنتفعين والموظفين.
🔳من التفتيش إلى الوقاية.. تاريخياً، اعتمدت المؤسسات بدرجة كبيرة على اكتشاف الأخطاء بعد حدوثها من خلال الفحص والتفتيش. ورغم أن هذه الطريقة قد تحقق مستوى مرتفعاً من اكتشاف العيوب، فإنها تستهلك الوقت والموارد، وقد تؤدي إلى تأخير الخدمة وزيادة التكلفة وعدم رضا المستفيدين.
🔳أما الاتجاه الحديث في إدارة الجودة فيركز على الوقاية؛ أي اكتشاف أسباب الخلل ومعالجتها قبل أن تتحول إلى مشكلة. فالاستثمار في التدريب والصيانة والمراقبة وتحسين العمليات قد يبدو مكلفاً في البداية، لكنه غالباً أقل كلفة من معالجة الأخطاء الكبيرة بعد وقوعها.
🔳وهنا تكمن أهمية الجودة في المستشفيات: فالوقاية من الخطأ الطبي أو الإداري أو التشغيلي لا تحمي المريض فقط، وإنما تحافظ أيضاً على موارد المؤسسة وسمعتها واستمراريتها.. الجودة مسؤولية الإدارة وجميع العاملين
🔳من أهم مبادئ إدارة الجودة الحديثة أن الجودة ليست مسؤولية إدارة الجودة وحدها، وإنما مسؤولية المؤسسة بأكملها. فالإدارة العليا مطالبة بوضع السياسات والأهداف والخطط، وتوفير التدريب والموارد، وخلق بيئة تشجع العاملين على المشاركة والابتكار والتحسين.
🔳ويؤكد إدوارد ديمنغ أن الإدارة مسؤولة عن فهم النظام ودعم التحسين، وأن كثيراً من المشكلات ترتبط بالنظام والإجراءات أكثر من ارتباطها بالأفراد. ولذلك فإن معالجة المشكلة ينبغي أن تبدأ بفهم أسبابها، وليس بمجرد البحث عن شخص لتحميله المسؤولية.
🔳ثلاث مدارس صنعت الفكر الحديث للجودة.. برزت ثلاث شخصيات رئيسية في تطوير الفكر الحديث للجودة: جوزيف جوران، وإدوارد ديمنغ، وفيليب كروسي.
🔳يركز جوران على أن الجودة تعني الملاءمة للاستعمال، وأن تحسين الجودة يعتمد على التخطيط والرقابة والتحسين والتغيير. كما يؤكد أهمية تشخيص المشكلة ومعرفة أسبابها ثم تطبيق العلاج المناسب.
🔳أما ديمنغ فقد جعل التحسين المستمر محوراً أساسياً للجودة، واشتهر بدورة PDCA: التخطيط، التنفيذ، الفحص، والعمل التصحيحي. كما شدد على التدريب، والقيادة، والعمل الجماعي، وإزالة الخوف من بيئة العمل، وكسر الحواجز بين الأقسام.
🔳بينما ارتبط اسم فيليب كروسي بمفهوم “بلا أخطاء” Zero Defects، وبفكرة أن معيار الجودة هو المطابقة للمتطلبات، وأن الوقاية من الأخطاء أفضل من اكتشافها بعد وقوعها، مع الاهتمام بحساب تكلفة عدم المطابقة.
🔳ماذا تعني هذه المبادئ للمستشفى؟
في المؤسسة الصحية، يمكن تحويل هذه الأفكار إلى ممارسة يومية: تحسين إجراءات استقبال المرضى، تقليل زمن الانتظار، منع أخطاء الدواء، تحسين إجراءات التعقيم، رفع كفاءة غرف العمليات، تحسين خدمات المختبر والأشعة، ومتابعة مؤشرات الأداء بصورة مستمرة.
🔳والمهم هنا ألا يكون الهدف مجرد تحقيق أرقام أو إعداد تقارير، بل استخدام البيانات لمعرفة أين توجد المشكلة، ولماذا حدثت، وما الإجراء الذي يمنع تكرارها.
🔳الجودة تبدأ من القمة.. تجمع مدارس الجودة الثلاث على مجموعة من المبادئ الأساسية: التحسين عملية مستمرة، والجودة تبدأ من الإدارة العليا، والالتزام بتحسين الأداء يجب أن يشمل جميع المستويات، كما ينبغي إشراك العاملين والتركيز على تحسين العمليات بدلاً من توجيه اللوم للأفراد.
🔳ومن هنا، فإن نجاح إدارة الجودة في المستشفيات لا يعتمد فقط على إنشاء قسم يسمى “إدارة الجودة”، وإنما على تحويل الجودة إلى ثقافة مؤسسية يعيشها الطبيب والممرض والفني والإداري والمدير وكل من يشارك في تقديم الخدمة.
🔳الخلاصة
المؤسسة الصحية الناجحة ليست التي تكتشف أكبر عدد من الأخطاء، وإنما التي تنجح في منع الأخطاء قبل وقوعها، والتعلم من المشكلات، وتحسين عملياتها بصورة مستمرة.
🔳فالجودة ليست مشروعاً مؤقتاً، ولا حملة تنتهي بانتهاء التقييم؛ إنها أسلوب إدارة وثقافة عمل. وكما تلخص مدارس جوران وديمنغ وكروسي، فإن الطريق إلى الجودة يمر عبر التشخيص، والوقاية، والتحسين المستمر، ومشاركة العاملين، والالتزام الحقيقي من الإدارة العليا.

