📌مزمل بخيت إبراهيم يكتب : خصخصة السيادة في زمن الحرب: من “فيتاليس” إلى “العسجد”.. مَن يدير المفاصل الحيوية؟
مزمل بخيت إبراهيم

جالينوس الطبي الصحة من لدن خبير
📌مزمل بخيت إبراهيم يكتب : خصخصة السيادة في زمن الحرب: من “فيتاليس” إلى “العسجد”.. مَن يدير المفاصل الحيوية؟

✍️ مزمل بخيت إبراهيم
🔳في الأوقات الاستثنائية التي تمر بها الدول، حيث تخوض الشعوب معارك البقاء وتنزف المؤسسات دفاعاً عن وجودها، تبرز تاريخياً ظاهرتان: ظاهرة التضحية الوطنية وبذل الغالي ٠والنفيس، وظاهرة أخرى مغايرة تماماً، تتمثل في محاولات اقتناص الفرص، وبناء شبكات النفوذ الموازي مستغلةً غبار المعارك وانشغال الدولة بملفاتها الوجودية.
🔳إن ما تشهده الساحة الإدارية والمالية السودانية المؤقتة في عواصم الإدارة الحالية، يثير جملة من المخاوف المشروعة حول كيفية اتخاذ القرار، ومعايير إرساء العقود، ومنح الامتيازات السيادية لكيانات ناشئة تفتقر للتاريخ، لكنها تحظى – لسبب ما – بـ “الضوء الأخضر” السريع.
🔳 من التدريب الطبي إلى المحول المالي: خيط رفيع أم شبكة ممتدة؟
قبل فترة وجيزة، ثارت تساؤلات وموجة من الاستنكار حول قيام دورات تدريبية لنواب الأخصائيين في جمهورية مصر العربية عبر كيان خاص يُدعى “مركز فيتاليس لخدمات التدريب”، وتحدث المتابعون للشأن الطبي عن تفاهمات واتفاقيات إدارية تمت مع مجلس التخصصات الطبية، بعيداً عن الأطر القانونية المعتادة وبمعزل عن الشفافية المؤسسية التي تحكم تدريب الكوادر الطبية السودانية تاريخياً.
🔳ولم يكد الحبر الذي انتقد تلك الخطوة يجف، حتى صُدم الشارع المالي والاقتصادي باحتفال صاخب في مدينة بورتسودان، أعلن فيه بنك السودان المركزي عن تدشين “رخصة محوّل المعاملات المالية” الممنوحة لشركة خاصة ناشئة تُدعى “العسجد للحلول الرقمية”.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس مجرد تساؤل عن هوية هذه الكيانات، بل عن “الرابط الموضوعي”وراء صعود هذه الواجهات في قطاعات استراتيجية متباعدة تماماً (التدريب الطبي القومي، والأمن المالي الرقمي)، وفي توقيت زمني متقارب جداً (بين أواخر 2025 ومنتصف 2026). هل نحن أمام مصادفة تجارية، أم أمام نمط متكرر لـ “شبكات مصالح موازية” تتمدد في الفراغ المؤسسي الناجم عن الحرب؟
تهميش “السيادة الوطنية” لصالح المغامرة التقنية
إن خطورة منح رخصة “محول المعاملات المالية” لشركة خاصة، لا تكمن في معاداة “التحول الرقمي” أو “القطاع الخاص”، بل تكمن في التفريط في النخاع الشوكي للاقتصاد الوطني. هذا المحول هو الصندوق الأسود الذي يربط المصارف، ويتحكم في تدفقات الأموال، ويطلع على السلوك المالي والبيانات الخصوصية لملايين السودانيين.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل استراتيجي مشروع: أين ولماذا اختفت شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS)؟
تلك المؤسسة العريقة المملوكة للدولة، والذراع التقنية الرسمية للبنك المركزي منذ عام 1999. هل عجزت (EBS) بكوادرها وبنيتها التحتية عن تقديم هذه الحلول؟ أم أن هناك رغبة متعمدة لتجاوز المؤسسات السيادية وإحلال كيانات خاصة محلها، مما يفتح الباب أمام مخاطر سيبرانية، وسيادية، واحتكارية لا تُحمد عقباها؟
غياب الحوكمة وقرارات “الغرف المغلقة”
في النظم الإدارية الراشدة، لا تمنح رخص إدارة الأموال السيادية، ولا تُسند ملفات التدريب القومي، بقرارات إدارية فوقية أو عبر تفاهمات تحت الطاولة. هذه الملفات تتطلب:
1. عطاءات عامة ومعلنة.تضمن تكافؤ الفرص وتوافر الخبرة والملاءة المالية.
2. تدقيقاً أمنياً وقانونياً صارماً (Due Diligence) لمعرفة الملاك الحقيقيين وخلفياتهم، لضمان عدم ارتباطهم بأجندات أو كيانات تضر بالأمن القومي.
3. الالتزام بقوانين الخدمة المدنية والشراء والتعاقد.
🔳إن القفز فوق هذه المراحل، والسرعة الفائقة التي وصلت بها شركة حديثة التأسيس كـ “العسجد” إلى قمة الهرم المصرفي برخصة رسمية، يوضح غياب آليات الحوكمة والرقابة، ويوجه أصابع الاتهام الإداري إلى المفاصل التي وقعت وباركت هذه الاتفاقيات.
🔳كلمة أخيرة: استرداد المؤسسات هو الحل
إن حماية السودان في هذه المرحلة لا تقتصر على الجبهات العسكرية، بل تمتد لحماية جبهته الداخلية؛ الاقتصادية، والإدارية، والخدمية.
🔳إن تفكيك مؤسسات الدولة الراسخة (مثل شركة EBS ومجالس التدريب الرسمية) لصالح واجهات عائلية أو استثمارية غامضة، هو نهج يهدد ما تبقى من هيكل الدولة. ونحن إذ نضع هذه الحقائق والروابط أمام الرأي العام وأمام متخذي القرار، نطالب بوقف هذه التفاهمات فوراً، وإخضاع رخصتي “فيتاليس” و”العسجد” للمراجعة القانونية والرقابية الشاملة، فالسيادة الوطنية وبيانات المواطنين ليست سلعة للبيع أو المبادلة في سوق الفرص الاستثنائية.
والله من وراء القصد

