📌كتابات سودانية رائدة //من كامبردج دكتور صلاح البندر يكتب : القدس.. الحصار لن يحاصر السماء.. والأبواب لن تُغلق أمام الدعاء.
دكتور صلاح البندر

جالينوس الطبي الصحة من لدن خبير
📌كتابات سودانية رائدة //من كامبردج دكتور صلاح البندر يكتب : القدس.. الحصار لن يحاصر السماء.. والأبواب لن تُغلق أمام الدعاء.

✍️ دكتور صلاح البندر
🔲 يا لها من أيام … إلى القدس لا يذهب المرء بجسده وحده، بل يذهب بما تبقّى في القلب من نور، وبما حملته الروح من شوقٍ قديم إلى موضعٍ اختلط فيه دعاء الأنبياء بأنين المحاصرين، وصارت فيه الحجارة ذاكرة، والأبواب شهوداً، والقباب مرايا لسرٍّ إلهي لا تنطفئ جذوته مهما اشتدّ الظلام.
🔲دخلتُ القدس، قادم من يافا مع الصديق دكتور مكرم خوري مخول، كأنني أدخل معنىً لا مدينة؛ كأن الطريق إليها امتحانٌ للروح قبل أن يكون عبوراً للجغرافيا. كل خطوة فيها كانت تقول إن الأرض التي باركها الله لا بموازين القوة، ولا تُحاصر في معناها بالأسلاك والجدران، ولا تُختصر في مشهد الاحتلال، مهما بلغ من قسوةٍ وخنق. فالقدس، في مقامها العرفاني، ليست فقط مكاناً يُزار، بل حضرةٌ تُستدعى، وميثاقٌ يتجدّد بين الإنسان وربه، وبين الذاكرة والواجب، وبين الدمع والرجاء.
🔲 وحين وقفتُ في رحاب المسجد الأقصى المبارك، شعرتُ أن الصلاة هناك ليست ركعاتٍ تؤدّى فحسب، بل عودةٌ إلى أصل السجود؛ إلى تلك اللحظة التي ينكسر فيها القلب بين يدي الله، فيرتفع أكثر مما ترفعه الرايات. في الأقصى، يكون السجود أعمق، لأن الأرض مثقلةٌ بالوجع، والسماء أقرب، لأن الدعاء يخرج من بين الحصار كالنور من شقوق الصخر.
🔲هناك، لا تسمع المؤذن وحده، بل تسمع تاريخاً كاملاً ينادي: أن ابقوا أوفياء للحق، وأن لا تجعلوا القهر يُميت فيكم القدرة على الحب، وأن لا تسمحوا للظلم أن يسرق منكم طهارة الدعاء. فالقدس تعلّم زائرها أن القوة ليست دائماً في السلاح، بل في الثبات؛ وأن السيادة تبدأ أحياناً من قلبٍ لا ينحني إلا لله.
🔲صلّيتُ وفي قلبي امتنانٌ وخشوع. امتنانٌ لأن الله أذن للروح أن تلامس هذا المقام، وخشوعٌ لأن الصلاة في القدس تجعل الإنسان يرى صغره أمام عظمة المعنى، ويرى هشاشة الدنيا أمام دوام البركة. وفي تلك اللحظة أدركتُ أن الحصار، مهما اشتدّ، لا يستطيع أن يحاصر السماء؛ وأن الأبواب، مهما أُغلقت في وجه الناس، لا تُغلق في وجه الدعاء.
🔲 يا قدس، يا مدينة السرّ والجرح، يا موضع البركة والابتلاء، لسنا نزورك كما تُزار المدن، بل نعود إليك كما يعود العطشان إلى النبع، وكما يعود التائه إلى قبلته الداخلية. فيكِ نرى أن الإيمان ليس عزاءً ساذجاً، بل طاقة مقاومة روحية، وأن الصلاة ليست انسحاباً من العالم، بل أرقى أشكال الحضور فيه.
🤲 اللهم اجعل هذه الزيارة نوراً في القلب، وثباتاً في الموقف، وسكينةً في الروح. واجعل صلاتنا في الأقصى شاهدةً لنا لا علينا، وذكّرنا أن القدس ليست حجارةً فقط، بل أمانة؛ وليست تاريخاً مضى، بل عهدٌ مفتوح مع الله والإنسان والحق.

