📌السبت أخضر //بروفيسور أبشر حسين يكتب : ذكريات لا تنسى.. كنا عندما تنتهي الحفلة، نغادر المكان ونحن نجرّ خلفنا خيوط الفرح
بروفيسور أبشر حسين

جالينوس الطبي الصحة من لدن خبير
📌السبت أخضر //بروفيسور أبشر حسين يكتب : ذكريات لا تنسى.. كنا عندما تنتهي الحفلة، نغادر المكان ونحن نجرّ خلفنا خيوط الفرح.

بقلم: بروف أبشر حسين
🔳لا زلت أذكر، كأنها البارحة، تلك الليالي الدافئة من أواخر السبعينات، حيث كنّا – نحن شلّة من الأصدقاء – ننتظر نهاية الأسبوع بشغف الصِّبْية المتعطشين للفرح. كانت وجهتنا المفضلة عشاء في مطعم “ترنتي” العتيق بالموردة، حيث تكتمل الطقوس بطبق فولٍ سخن، وصِير، وكوارع تقاوم برودة المساء، وسط ضحكات وقفشات لا تنقطع.
🔳في تلك الأمسيات، يتجلّى المسرح اليومي لبطولة الحياة: مبارك مورغن يطلق النكات، وعلي كوشة يرد السخرية بذكاء، وحيدر الزنجي يشتبك مع واشنطون في مساجلات لا تهدأ، بينما علي عابدين يقاطع بصخبٍ محبّب، ونادر يتقن التعليق المرتدّ كأمهر مدافع.
🔳ما إن نغادر المطعم، حتى ننفصل أنا وصديقي (أ. أ)، متوجهَين سيرًا على الأقدام إلى حفلة زفاف أخت إحدى الزملاء بحي أبوروف، عبر شارع الرفيرا، والهواء عليل كأنّه مرّ على حدائق العاشقين. كان الصمت يخيم على المدينة، حتى بدأ صوت محمد أحمد عوض يتسلل من بعيد، يشق سكون الليل ويملأ الأفق دفئاً وحنيناً.
🔳أسرعنا الخطى حتى لا يفوتنا الفاصل الغنائي، وهناك عند خيمة الحفل، تسللنا من الجانب الخلفي، بعد أن رفعنا طرفها بخفة تليق بمشاغبات الشباب، متجاهلين القيود الموضوعة لمنع دخول “الشماسة” – أولئك الفتيان الذين كانت الحياة أقسى عليهم.
🔳دخلنا بكل زهو الشباب، وعينانا تفتش عن معالم البهجة. في قلب الحلبة، كان صديقنا يرقص وكأنّه يحتفل بالحياة، تحيط به الحسان من كل جانب، وصوت محمد أحمد عوض يجلجل بالغناء:
“ليك مدة ما بنتَه…”
ذاك الصوت، وذلك الأداء، وتلك الحُرقة في النغمة… كانت كافية لتحملنا إلى عوالم أخرى. لمحمد أحمد عوض ومحمود علي الحاج حضورٌ مختلف حين يغنون في أبوروف أو بيت المال، كأن المكان يستدعي تاريخاً غنائياً مقدساً، أو كأن عيون أم درمان تمنحهم مفاتيح الطرب النبيل،
🔳من “فتيح” إلى “الخور” إلى “المغالق”، يقدل الطرب حافيًا حالقًا، يلامس الأرض والقلوب:
“قدِّل يا مولاي… في الطريق الشاقي الترام…”
🔳في أبوروف، للحفلات طعم آخر. للجمال متسعٌ لا يُحد، وللطرب حضورٌ أسطوري. وحين يمتزج الغناء الأصيل بجمال المكان، يتحول المشهد إلى قطعة من خيال. تلمع عيون الحسناوات، وتتمايل القلوب قبل الأجساد، وتنتشي الأرواح على إيقاع المغنّي، كأنها تتراقص مع الكون بأسره.
🔳وعندما تنتهي الحفلة، نغادر المكان ونحن نجرّ خلفنا خيوط الفرح. نمشي على شارع البحر، نقتسم الذكريات، ونستعيد النكات – منها ما هو بريء، ومنها ما هو شقي – ونتمنى سرًا ألا ينقضي هذا الليل.
عند مشارف الصباح، نصل بيوتنا، متعبين ولكن ممتلئين بالحياة.
🔳كانت تلك أيامًا لا تُنسى. حفرت في الذاكرة بصوت الغناء ورائحة العشاء وبهجة الصحبة. وها أنا، بعد كل هذه السنين، أكتب عنها علّ الحروف تحفظ لنا ما نخشاه من ضياعه: لحظات النقاء، ومتعة التفاصيل، وبهجة الطرب حين يسكن الوجدان.

