ذاكرة صحية

📌إستراحة الجمعة// بروفيسور أبشر حسين يكتب : شيءٌ عجيبٌ في غرامك يا فريع ياسمين

بروفيسور أبشر حسين

جالينوس الطبي الصحة من لدن خبير. 

📌إستراحة الجمعة// بروفيسور أبشر حسين يكتب : شيءٌ عجيبٌ في غرامك يا فريع ياسمين.

 ✍️بروفيسور أبشر حسين 

🔳«شيءٌ عجيبٌ في غرامك يا فريع ياسمين.. أجسامنا ليه جسمين؟روحنا واحدة وكيف اتقسمت قسمين؟»

🔳ذلك المطلع الساحر من رائعة أبي صلاح، بصوت أولاد الموردة: محمود وعطا كوكو، ليس مجرد أغنية أستمع إليها، بل مفتاحٌ سحري يفتح أبواب الذاكرة على مصاريعها، ويعيدني إلى زمنٍ جميلٍ مضى، لكنه ما زال حيًّا في الوجدان.

🔳كلما سمعت هذه الأغنية، عادت بي الخطى إلى الموردة؛ الموردة التي لم تكن مجرد حيٍّ أو سوق، بل كانت عالمًا كاملًا ينبض بالحياة والمحبة والبساطة. أرى أسواقها القديمة، وأشم رائحة السمك الطازج في يوم الجمعة، وأتجول بين الدكاكين التي كانت معالم راسخة في الذاكرة أكثر من كونها مجرد متاجر.

🔳أتذكر دكاكين حاج حمد، ومحمد ود إبراهيم، والباهي، وتوتو، وميرغني حسون ،عبد الله الطيب، وشوقي التاجر، والمحينة، وكربيت، وعبد العظيم العجلاتي، ومحمد أحمد والعدة، وصوت البائع ينادي: «زبادي يا حمد»، والدومة، وعوض أبشر، وود المحامي، وخضر الصيادي، والحاج، وعبد الباسط، وسيف بطة، وعبد الواحد، ودكاكين الخضار والجزارة التي كانت تضج بالحركة منذ الصباح الباكر.

🔳ولكن أكثر ما يقفز إلى خاطري مع هذه الأغنية هو ذلك الرجل العظيم: عمر الطيب. كان دكانه بسيطًا في شكله، لكنه كان كبيرًا بمن يجلسون فيه. كان ملتقى للأدباء والمثقفين والرياضيين وأهل الحي(الصابرين)، ومجلسًا عامرًا بالمودة والحديث الجميل. كانت قيمة المكان بمن فيه.

🔳وتقودني الأغنية أيضًا إلى أفراح الموردة القديمة، وإلى احتفالات الزواج في الصابرين؛ تلك الأعراس البسيطة في مظهرها، العظيمة في معناها. لم تكن هناك مظاهر البذخ التي نراها اليوم، ولكن كان هناك شيء أثمن بكثير: الألفة والمحبة والفرح الصادق.

🔳وما إن تتردد كلمات الأغنية حتى أرى صبحيات الأعراس عند حوش الفكي، تلك الأسرة الكريمة العريقة. أستعيد مشهد الصالون وهو يمتلئ بالرجال والشباب، والجميع يردد أغنيات الحقيبة في صوتٍ جماعي واحد، كأنهم جوقةٌ كبيرة تعزف لحن المحبة والانتماء.

🔳كان الجو مشحونًا بالفرح والود، وكانت الضحكات تتعالى من كل جانب. ولا يزال عالقًا في ذاكرتي وجه محمد حامد وهو يضحك ضحكته الطفولية الصافية، يشع وجهه فرحًا وسعادة، وكأن الدنيا كلها كانت تختصر في تلك اللحظات الجميلة.

🔳ما أعجب قدرة الأغنيات على حفظ الذاكرة! فربما ننسى كثيرًا من الأحداث، لكن لحنًا قديمًا أو بيتًا من الشعر يستطيع أن يعيد إلينا شوارع كاملة، ووجوهًا غابت، وأصواتًا سكتت، وأماكن اندثرت. الأغنية هنا ليست مجرد فن، بل أصبحت وعاءً للذكريات، تحفظ تفاصيل الحياة التي أحببناها، وتعيد إلينا أناسًا رحلوا أو غيّبتهم الأيام.

🔳كلما سمعت: «شيء عجيب في غرامك يا فريع ياسمين»، أشعر أنني لا أستمع إلى أغنية فحسب، بل أستمع إلى تاريخٍ كامل، وإلى الموردة وهي تتحدث بلسان أهلها، وإلى زمنٍ كانت فيه البساطة عنوانًا للحياة، وكانت المحبة رأس المال الحقيقي للناس.

🔳رحم الله من رحل منهم، وأطال عمر من بقي، وحفظ في قلوبنا تلك الأيام الجميلة التي كلما ابتعدت عنا في الزمن، ازدادت جمالًا في الذاكرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى