📌مزمل بخيت إبراهيم يكتب : الخدمة المدنية في زمن الحرب قيادات عاجزة وأزمة إدارة عميقة
مزمل بخيت إبراهيم

جالينوس الطبي الصحة من لدن خبير
📌مزمل بخيت إبراهيم يكتب : الخدمة المدنية في زمن الحرب قيادات عاجزة وأزمة إدارة عميقة.

✍️مزمل بخيت إبراهيم
🔳شاركنا في مداخلات وكتابات عديدة حول أوضاع الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة في السودان في مراحل ما قبل الحرب وأثناءها والمسار المتوقع بعدها ورغم تنوع الآراء والزوايا التي نظر منها إلى المشكلة إلا أن ثمة إجماعاً منعقداً على سوء حال الخدمة المدنية وأن الدولة بأعمدتها الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية تحتاج إلى عمل بناء مخلص وجاد.. إن محاولات الإصلاح المتكررة والتجارب المتعددة لتأسيس دولة قوية ومؤسسية كثيرا ما تتهاوى أمام جدار الفساد والتخبط الإداري مما يصيب المواطن ببالغ الإحباط ونحن إذ نذكر ذلك لا ننكر إخلاص بعض قيادات الخدمة المدنية لكن الإخلاص وحده لا يكفي لبناء دولة إذ لا طائل من وجود خبير فرد في بيئة تفتقر للإدراك ولا جدوى من محاولة فردية لتطوير مؤسسة واحدة بينما تتداعى بقية المؤسسات حولها.. إن أس المشكلة وأصل الإصلاح يكمن في عملية اختيار وتعيين قيادات المؤسسات كيف يتم هذا الاختيار وعلى أي معايير يقيم الأداء وما هي آليات المتابعة والمحاسبة هذه أسئلة إدارية جوهرية وبسيطة لكنها تشكل البوصلة الحقيقية لأي نهضة في الوقت الذي قطع فيه العالم شوطا كبيرا في تطبيق وظائف الإدارة الحديثة من تخطيط وتنظيم ومتابعة وتقويم غابت هذه المفاهيم الجوهرية عن مؤسساتنا وحين تغيب الإدارة كمنهج يلغى المفهوم المؤسسي برمته
🔳لقد وصلنا إلى مرحلة تجد فيها قيادات في أعلى الهرم الإداري للدولة لا تدرك الفوارق بين التخطيط الاستراتيجي والعمل اليومي العشوائي بل إن بعض المؤسسات أضحت تبدي نفورا من المصطلحات والمفاهيم الإدارية الحديثة لذلك عندما اندلعت الحرب انهارت أغلب الدوائر الحكومية وفقدت المرجعيات والبيانات الأساسية التي تمكنها من الصمود أو إدارة الأزمة ولم تتجه الأنظار لمعالجة هذا الإخفاق لأن المجتمع والإدارة اعتادا للأسف على التطبيع مع الفشل واللامبالاة
🔳ولو أجريت دراسة تقويمية محايدة لقيادات الخدمة المدنية عبر مراحلها المختلفة لتكشفت حقائق يصدم لها العقل قيادات تجاوزت أعمارهم الثمانين عاما وأصبحوا رموزا شكلية لا قادة مدبرين وآخرون يفتقرون للكفاءة البدنية والنفسية لتولي المسؤولية وفئة اتخذت من الوطنية شعارا للزيف والمحسوبية وإننا حتى اللحظة نسيح في ذات الدائرة المغلقة من الفوضى والتمكين والمحسوبية
🔳ويتجلى هذا الخلل بأوضح صوره في القطاع الصحي القطاع الحيوي المباشر الذي يمس الأرواح والأجساد إن واقع الصحة في بلادنا لا يحتاج لبيانات رسمية لتبين وحجم التدهور فالصفوف المتطاولة أمام المراكز الصحية وتردي البيئة العامة وانتشار الأوبئة وتراجع خدمات الرعاية النفسية والبدنية كلها شواهد ناطقة.. إن الأزمة في القطاع الصحي ليست في نقص الكوادر إذ نملك موردا بشريا كفؤا يتجاوز الستين ألفا من الأطباء والكوادر الصحية لكن الأزمة الحقيقية هي غياب القيادة الإدارية والقدرة التخطيطية التي تستثمر هذه الطاقات وتوزعها بشكل عادل وكفء لتغطية حوجة البلاد إن الصحة اليوم بلا قائد يستطيع إدارة هذا الجيش الجرار من الكفاءات لحماية المواطن
🔳إن أزمة الخدمة المدنية في السودان هي بالأساس أزمة قيادة وإدارة ولتأكيد ذلك يكفي النظر إلى قنوات التواصل الرسمية أو صفحات الشكاوى لغالبية المؤسسات إن وجدت لندرك حجم الفجوة بين ما يقدم للمواطن وما ينبغي أن تكون عليه مؤسسات الخدمة العامة.. نحتاج اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى مواجهة هذه الحقائق بشجاعة وإعادة بناء الخدمة المدنية على أسس الكفاءة والشفافية والقيادة الرشيدة التي تضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.

