📌مزمل بخيت إبراهيم يكتب : عسجد الرقمية والمجالس وامتحانات التخصصات الطبية: حين تصبح الخدمات السيادية “صفقات خلف الستار
مزمل بخيت إبراهيم

جالينوس الطبي الصحة من لدن خبير
📌مزمل بخيت إبراهيم يكتب : عسجد الرقمية والمجالس وامتحانات التخصصات الطبية: حين تصبح الخدمات السيادية “صفقات خلف الستار”

✍️مزمل بخيت إبراهيم
🔳تظل العلاقة بين تمدد القطاع الخاص ورقابة الدولة شعرة فاصلة بين النهوض والانهيار. فالقوانين واللوائح في أي نظام سياسي لم تُوضع لتكون قيوداً تكبح الإبداع، بل أُسست لتكون سياجاً يحمي الأمن القومي بمفهومه الشامل: الاقتصادي، والمعلوماتي، والخدمي. ومع ذلك، يعيد التاريخ إنتاج نفسه في المشهد السوداني، حيث يتجاوز “فساد الإجراءات” أعين الرقابة والإعلام، لتتحول قطاعات خدمية تمس صلب كيان الدولة إلى مساحات للاستثمار غير المقنن. وما أثير مؤخراً حول شركة العسجد للحلول الرقمية، مرواً بـ شركة الامتحانات بمجلس التخصصات الطبية.والمجلس الطبي، وصولاً إلى مركز فيتاليس للتدريب، ليس إلا فصولاً من رواية واحدة عنوانها: “غياب الشفافية وإدارة السيادة بعقلية زرق اليوم”.
التداخل اللغوي والمفهومي: من بريق “العسجد” إلى واقع الخدمة
🔳لغوياً، يحمل اسم “العسجد” (وهو الذهب أو الجوهر الثمين) دلالة على القيمة العالية والبريق، لكن حين يرتبط هذا البريق بالحلول الرقمية والصفقات الحكومية المثيرة للجدل، يتحول المعنى من الجوهر الثمين إلى “الغطاء البراق” الذي قد يُخفي وراءه ثغرات إجرائية واسعة. هذا البريق الرقمي يلتقي مباشرة، من الناحية الوظيفية، مع “شركة الامتحانات بمجلس التخصصات الطبية” و”مركز فيتاليس للتدريب”. الرابط المشترك هنا هو “خصخصة الاحتكار الخدمي”؛ فمجلس التخصصات الطبية يمثل عصب الأمن الصحي للبلاد، وتفويض شركة خاصة لإدارة امتحاناته أو الارتباط بمركز تدريب مثل “فيتاليس” دون معايير رقابية صارمة، يعني رهن تأهيل الكوادر الطبية الوطنية لجهات قد لا تضع الأمن القومي في أولوياتها.
الربط القانوني: اختراق الحوكمة وغياب “الجرح والتعديل”
🔳من الناحية القانونية، تشترك هذه الحالات الثلاث في أزمة يغفل عنها الإعلام المرتبط بالمال فقط، وهي أزمة “شرعية التعاقد والولاية على المال والخدمة العامة”:
1. مخالفة قانون التعاقد والشراء الحكومي: إن تحويل ملفات حساسة كالتطوير الرقمي (العسجد) أو التقييم المهني الطبي (مجلس التخصصات) إلى شركات خاصة يتطلب قانوناً طرح عطاءات عامة تتسم بالشفافية، وهو ما يغيب في كواليس هذه الصفقات، مما يضعها في خانة “الشبهة القانونية” حتى وإن حظيت بدعم قيادات حكومية.
2. ثغرة الأمن السيبراني والمعلوماتي:في حالة “العسجد” والامتحانات الطبية، نحن لا نتحدث عن سلع تجارية، بل عن “بيانات سيادية”(بيانات أطباء، امتحانات مهنية، بنية تحتية رقمية). تسليم هذه المفاتيح لشركات خاصة دون إشراف مباشر من أجهزة الدولة الرقابية يماثل تماماً الثغرات الأمنية التاريخية التي استُغلت سابقاً في صفقات مشبوهة مرت دون أن يلاحظها أحد.
3. غياب معايير الاعتماد والرقابة (مركز فيتاليس): يمتد الخلل القانوني إلى قطاع التدريب المستمر. فالمراكز الخاصة عندما تعمل بمعزل عن المتابعة اللصيقة و”الجرح والتعديل” المؤسسي، تتحول إلى واجهات تجارية تمنح مشروعية لخدمات قد تضر بالبنية التعليمية والثقافية للدولة، فقط لأن هناك مسؤوليين يسهلون هذه الإجراءات بغرض الكسب السريع.
🔳من “عجلة الرالي” إلى “العقود الرقمية اختراق العقلية الإدارية
تُعيدنا هذه الشراكات غير المقننة إلى مفارقة “كتاب ضابط الاستخبارات الإسرائيلي الصندوق الاسود ” وكتابه عن الثغرات الأمنية في البلاد العربية؛ حيث لم تكن الاختراقات تحتاج دائماً إلى ميزانيات ضخمة، بل كانت تتم أحياناً عبر استغلال “بساطة أو جهل أو جشع” متخذ القرار (كما حدث في رشوة العجلة( الرالي) العادية لترحيل الفلاشا). اليوم، لم تعد الرشوة عجلة، بل أصبحت تُصاغ في شكل “عقود احتكارية”، و”شراكات ذكية” على الورق، لكنها في جوهرها تسلب الدولة سيادتها على قطاعاتها الحيوية (التعليم، الصحة، والتقنية).خلاصة القول:إن ما دار حول شركة العسجد، وشركة امتحانات مجلس التخصصات، ومركز فيتاليس، يستوجب وقفة قانونية حازمة. إن حماية كيان الدولة السودانية لا تأتي بمنع القطاع الخاص من العمل، بل بـ “تقنين الصفقات” وإخضاعها لقوانين المراجعة والشفافية. إن غياب الرقابة على قطاع الخدمات لا يقل خطورة عن التفريط في الحدود الجغرافية، فالأمن القومي يبدأ من وعي المسؤول بأن العقد الذي يوقعه اليوم، قد يكون الثغرة التي تُباع عبرها مقدرات الوطن غداً.

