📌بروفيسور أبشر حسين يكتب : تحت سلالم خور أبو عنجة… نعيش على رصيد تلك الأيام
بروفيسور أبشر حسين

جالينوس الطبي.. الصحة من لدن خبير
📌بروفيسور أبشر حسين يكتب : تحت سلالم خور أبو عنجة… نعيش على رصيد تلك الأيام.

✍️ بروفيسور أبشر حسين
🔳لا أزال أذكر ذلك اليوم من أوائل ثمانيات القرن الماضى، وكأنه حدث بالأمس. كان يوم خميس، وتلك الأيام كان ليوم الخميس طعمٌ خاص؛ فهو بوابة عطلة قصيرة، وفرصة للقاء الأحبة، ومتنفسٌ للشباب بعد أسبوع طويل من الدراسة والانشغال.
🔳كنا مجموعة من أبناء الحي، جمعتنا المودة أكثر مما جمعتنا الظروف، وربطتنا الأزقة والحارات والذكريات الصغيرة التي لا يدرك قيمتها إلا من عاشها. بعد أن تناولنا طعام العشاء في دكان ترنتي بالموردة — ذلك الدكان الذي كان جزءًا من ذاكرة المكان، لا مجرد محلٍ لبيع الطعام — جلسنا حول أطباق الفول والصير والكوارع، نتبادل الضحكات والتعليقات الساخرة، وكأن تلك الوجبة البسيطة كانت وليمة من الفرح الخالص.
🔳بعدها اتجهنا نحو خور أبو عنجة، إلى ذلك المكان المعروف تحت السلالم، بالقرب من منزل العزيز علي عابدين، حيث كانت تُصنع أجمل الجلسات، وتُحفظ أجمل الحكايات.
🔳كنا يومها عصبةً جميلة من الشباب: عثمان المعلم، وياسر، وراشد، وعبد الله طراوة، وبجاو، وعثمان قرماج، وعماد ضلمة، وأنا بينهم، نحمل هموم الدنيا بخفة الشباب، ونواجه الحياة بالضحك أكثر مما نواجهها بالحسابات المعقدة.
جلسنا على طريقتنا المعتادة؛ شيءٌ من “الكربنة”، وكثيرٌ من الونسة الصافية، واستدعاءٌ مستمر لذكريات كرة القدم، ومباريات الأحياء، وحفلات المنطقة، وأسماء اللاعبين، وأهداف لا تزال حاضرة في الذاكرة كأنها سُجلت بالأمس.
🔳ثم بدأ دور الغناء، وكان لأخينا عماد ضلمة صوتٌ جميل، يحمل شجنًا خاصًا، خاصة عندما يغني للفنان القامة الشفيع. كان صوته ينساب في الليل بهدوءٍ عجيب، حتى كأن خور أبو عنجة نفسه كان يصغي.
وأذكر تمامًا أنه في تلك الليلة بدأ يغني:
“الحالم سبانا…”
وكان صوته يحمل شيئًا من الحنين الذي لا يُفسَّر، ويوقظ في القلب أشياء قديمة لا اسم لها.
🔳وفجأة، رفعت رأسي، فإذا بأخينا علي عابدين واقفٌ أمامنا، منتصب القامة، شامخ الحضور، بهيبته المعروفة، وابتسامته التي تسبق كلماته دائمًا.
🔳نظر إلينا بصوته الجهوري المعروف وقال:
“والله يا جماعة، لو ما كان معاكم ود الشول، كنت أقول إنتو شياطين!”فانفجر الجميع ضاحكين…
🔳ولم يكن ضحكًا عابرًا، بل ذلك الضحك الأمدرماني الصافي، المشوب بالألفة والمحبة، الضحك الذي لا يأتي من النكتة وحدها، بل من عمق العلاقة بين الناس، ومن شعور الإنسان بأنه بين أهله الحقيقيين.
🔳كان علي عابدين فاكهة المجالس بحق؛ صاحب طرفة، وصانع بهجة، وممن يتركون في المكان أثرًا لا يُنسى. محبوبًا لدى الجميع، وكان لحضوره دائمًا نكهة خاصة، كأنه يحمل معه الفرح أينما ذهب.
كان هاشًّا باشًّا، لا تفارق الابتسامة وجهه، يملك قدرة نادرة على التخفيف عن الآخرين، وعلى تحويل اللحظات العادية إلى ذكريات خالدة. وكان، رغم بساطته وتواضعه، يذكرني دائمًا بفرسان العصور القديمة؛ شامخًا، مهيبًا، صاحب حضورٍ لا يُخطئه أحد، لكنه في الوقت ذاته قريبٌ من الجميع، بسيطٌ كأبناء الحارات الأصيلة.
🔳في أم درمان، لم يكن الناس يُقاسون بما يملكون، بل بما يتركونه في قلوب الآخرين. وكان أمثال علي عابدين من أولئك الذين يزرعون المحبة دون ضجيج، ويصنعون الألفة دون تكلف.
🔳رحم الله من رحلوا من تلك الوجوه الجميلة، وأسكنهم فسيح جناته، وحفظ من بقي منهم على قيد الحياة، وأطال أعمارهم في الخير والعافية.أ. ما نحن، فما زلنا نعيش على رصيد تلك الأيام…أيامٍ كانت بسيطة في ظاهرها، لكنها عظيمة في معناها ويالها من أيام.

