📌استشاري القرنية وتصحيح النظر بروفيسور كمال هاشم يكتب : من الطرائف بعد ما كملت تخصص طب العيون، حبوبتي (جدتي) في بلدنا قالت لي زعلانة :(( كمال.. الطب ما كان أحسن ليك؟ ليه خليتو؟)
بروفيسور كمال هاشم

جالينوس الطبي الصحة من لدن خبير
📌استشاري القرنية وتصحيح النظر بروفيسور كمال هاشم يكتب : من الطرائف بعد ما كملت تخصص طب العيون، حبوبتي (جدتي) في بلدنا قالت لي زعلانة :(( كمال.. الطب ما كان أحسن ليك؟ ليه خليتو؟))

✍️بروفيسور كمال هاشم
🔳عندما أكملت تخصصي في طب العيون، سألتني إحدى الجدات (الحبوبات) في البلد، مستنكرةً:«الطب ما كان أحسن ليك؟ ليه خليتو؟»
🔳ابتسمت يومها، ولم أجد ما يكفي من الكلمات لأشرح لها أنني لم أترك الطب، وإنما اخترت واحداً من أكثر فروعه دقةً وتطوراً واتساعاً.
🔳لكنني اكتشفت بعد سنوات أن هذا الفهم ليس حكراً على الحبوبات؛ بل إنه، للأسف، راسخ لدى كثير من طلاب الطب والأطباء، وحتى بعض صانعي القرار الصحي.
🔳في كليات الطب، درجت بعض الأنظمة التعليمية على تصنيف طب العيون، إلى جانب بعض التخصصات الأخرى، ضمن ما يسمى Minor Specialties، في مقابل التخصصات الكبرى أو الرئيسية مثل الباطنية والجراحة والنساء والتوليد وطب الأطفال. وربما كان المقصود من هذا التصنيف تنظيمياً أو تعليمياً بحتاً، إلا أن المشكلة تبدأ عندما يتحول التصنيف الأكاديمي إلى ترتيب ضمني للقيمة والأهمية، ويستمر هذا التصور الخاطئ مع الطالب حتى بعد تخرجه وتخصصه.
🔳والحقيقة أن طب العيون هو تخصص بالغ التخصصية والدقة، واسع المعرفة، عالي التقنية، ومتعدد الأبعاد.
🔳فطبيب العيون لا يتعامل مع العين باعتبارها عضواً معزولاً عن بقية الجسم. بل يتطلب التخصص معرفة عميقة بأمراض الباطنة والأعصاب والروماتيزم والغدد والمناعة والأمراض المعدية والأورام والأوعية الدموية، وغيرها. وقد تكون العين في كثير من الأحيان نافذة تكشف مرضاً خطيراً قبل ظهور أعراضه في بقية الجسم.
🔳أما من الناحية الجراحية، فإن طب العيون يجمع بين أدق أنواع الجراحة الميكروسكوبية وبين أعلى درجات التحكم في الأنسجة. فالجراح يعمل في مساحة لا تتجاوز بضعة مليمترات، بل وأحياناً أجزاء من المليمتر، مستخدماً المجهر والأدوات الدقيقة وتقنيات متقدمة تتطلب مهارات يدوية وبصرية استثنائية.
🔳ولعل أكثر ما يميز طب العيون في العصر الحديث هو علاقته الوثيقة بالتطور العلمي والتكنولوجي. فقد كان هذا التخصص من أوائل المجالات الطبية استفادةً من تطورات البصريات والفيزياء والليزر والتصوير الطبي والحوسبة والذكاء الاصطناعي وتقنيات النانو والهندسة الحيوية. ومن أجهزة التصوير المقطعي البصري (OCT) إلى تقنيات تصحيح الإبصار بالليزر، وزراعة القرنيات، والجراحات المجهرية، والأجهزة الروبوتية والأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، أصبح طب العيون نموذجاً لتكامل الطب مع العلوم والتكنولوجيا الحديثة.
🔳وفي كثير من الأنظمة الصحية الحديثة، يمثل طب العيون أيضاً عبئاً صحياً ضخماً من حيث عدد المرضى والإجراءات الجراحية، خصوصاً مع الزيادة الكبيرة في أعداد كبار السن وانتشار أمراض مثل الكتراكت والجلوكوما واعتلال الشبكية السكري وأخطاء الانكسار وأمراض القرنية والشبكية. وتُعد جراحة الكتراكت، على سبيل المثال، من أكثر العمليات الجراحية إجراءً على مستوى العالم، وربما تتفوق وحدها من ناحية العدد على كافة أنواع العمليات في التخصصات الأخرى مجتمعة.
🔳ومن الخطأ، لذلك، النظر إلى طب العيون على أنه تخصص محدود لأنه يتعامل مع عضو واحد. فالكثير من التخصصات الطبية تتعامل مع عضو أو جهاز محدد، لكن ذلك لا يجعلها «صغيرة». معيار أهمية التخصص هو عمق المعرفة المطلوبة، وحجم المرض الذي يتعامل معه، وتأثيره على حياة الإنسان، ومدى تعقيد ممارسته، ودوره في النظام الصحي والبحث العلمي.وطب العيون يجمع هذه الأبعاد كلها.
🔳فهو في الوقت نفسه طب سريري، وطب باطني، وجراحة دقيقة، وعلوم أعصاب، وبصريات، وفيزياء، وهندسة، وتكنولوجيا، وطب مجتمع، وبحث علمي متقدم.
🔳كما أن أثر أمراض العيون يتجاوز فقدان القدرة على الإبصار. ففقدان البصر يرتبط بالاستقلالية والحركة والتعليم والعمل والصحة النفسية وجودة الحياة، ولذلك فإن الوقاية من العمى وعلاج أسبابه يمثلان جزءاً أساسياً من الصحة العامة والتنمية البشرية.
🔳ولعل من المؤسف أن بعض التصورات القديمة حول «صغر» تخصص العيون ما زالت تنعكس أحياناً في السودان على مستوى التخطيط الصحي والتمثيل المؤسسي. ومن مظاهر ذلك ضعف أو غياب تمثيل أطباء العيون في بعض التشكيلات المتعاقبة للمؤسسات الطبية الوطنية المعنية بالتنظيم والتخصص والتدريب، رغم المكانة التاريخية التي احتلها أطباء العيون في مسيرة التعليم الطبي التخصصي في السودان.
🔳وهذه ليست مسألة تخص أطباء العيون وحدهم، وإنما تتعلق بمبدأ أوسع هو أن التخطيط الصحي السليم يحتاج إلى تمثيل حقيقي لمختلف التخصصات وفق حجمها وأهميتها واحتياجاتها، وليس وفق تصنيفات تاريخية قديمة أو انطباعات غير علمية.
🔳ومن المفارقات التاريخية أن طب العيون كان أول التخصصات التي أرست دعائم الدراسات الطبية العليا في السودان؛ فقد كان ماجستير طب العيون في جامعة الخرطوم البداية المبكرة للتخصص الطبي الأكاديمي المنظم في سبعينيات القرن الماضي، كما كان أطباء العيون من بين المشاركين في التأسيس المبكر لمسيرة المجلس القومي السوداني للتخصصات الطبية الذي جاء تشكيله الأخير غير منصف تماما لتخصص العيون وبعض التخصصات الأخرى.

