📌السبت أخضر // بروفيسور أبشر حسين يكتب : درست الدراما بقصر الشباب، وحصلت على دبلومة في التمثيل..ففي جامعة الخرطوم تعلمنا أن الطب لا ينفصل عن الثقافة، ولا عن السياسة، ولا عن الفن
بروفيسور أبشر حسين

جالينوس الطبي الصحة من لدن خبير
📌السبت أخضر // بروفيسور أبشر حسين يكتب : درست الدراما بقصر الشباب، وحصلت على دبلومة في التمثيل..ففي جامعة الخرطوم تعلمنا أن الطب لا ينفصل عن الثقافة، ولا عن السياسة، ولا عن الفن.

✍️بروفيسور أبشر حسين
🔳كلية الطب – جامعة الخرطوم.. نهاية السبعينات وبداية الثمانينات: ذاكرة السياسة والثقافة
كانت كلية الطب بجامعة الخرطوم، في أواخر السبعينات وبدايات الثمانينات، فضاءً مكتظًا بالحراك السياسي والثقافي، إلى درجة يصعب معها الفصل بين التكوين الأكاديمي والتشكّل الفكري. لم تكن الجامعة مكانًا لتلقّي المعرفة الطبية فحسب، بل مختبرًا مفتوحًا للأسئلة الكبرى: السياسة، والفكر، والفن، ومعنى الالتزام العام.
شهدت الكلية عددًا كبيرًا من الندوات السياسية التي خاطب فيها الطلاب رموز الفكر والسياسة السودانية، من أمثال محمد إبراهيم نقد، والصادق المهدي، وحسن الترابي، وغيرهم من قادة الأحزاب والمفكرين. وإلى جانب الندوات، كانت أركان النقاش تمثل مدرسة خطابية قائمة بذاتها، يشارك فيها كوادر طلابية بارزة من مختلف الاتجاهات السياسية، مثل أحمد دالي، وصديق الزيلعي، والتجاني عبد القادر،امال جبر الله، وعمر الدقير. هناك تعلّمنا كيف يُصاغ الرأي، وكيف يُدافع عنه، وكيف يُحتمل الاختلاف.
إلى جانب هذا الزخم السياسي، تميّزت كلية الطب بجمعيات طلابية نشطة لعبت دورًا محوريًا في التكوين الثقافي والاجتماعي للطلاب، مثل جمعية الثقافة، وجمعية الموسيقى والمسرح، وجمعية الدُّور الخيرية، وجمعية الصحة النفسية. ومنذ دخولي الكلية، كنت عضوًا في جمعية الموسيقى والمسرح، مدفوعًا بشغفي القديم بالتمثيل والمسرح، إذ كنت قد درست الدراما بقصر الشباب، وحصلت على دبلومة في التمثيل.
في السنة الخامسة، تولّيت رئاسة جمعية الموسيقى والمسرح، بعد زملاء أعزاء سبقوني في هذا الموقع، منهم د. حمزة خميس (مستشار الطب الباطني حاليًا)، ود. هاشم ميساوي (مستشار علم الأمراض بالمملكة العربية السعودية). وخلال فترة رئاستي، سعينا إلى إحداث نقلة نوعية في نشاط الجمعية، بتوسيع مفهوم الفعل الثقافي ليشمل الفنون التشكيلية إلى جانب المسرح والموسيقى. وكان للتشكيلي المبدع والطبيب النحرير إبراهيم كوجان—الذي أصبح لاحقًا من كبار جراحي القلب في المملكة المتحدة—دور محوري في هذا التحوّل.
🔳ازدهر النشاط المسرحي بصورة لافتة. وبمناسبة اليوم العالمي للمسرح، وضمن برنامج الجمعية، قدمنا مسرحية من إخراج الأستاذ عبد الجبار عبد الله، قمتُ ببطولتها مع د. كوباني (عليه رحمة الله). كما شاركنا بعروض مسرحية في مدينة كسلا ضمن فعاليات أسبوع رابطة كلية الطب، في تجربة ربطت الفن بالمجتمع خارج أسوار الجامعة.
وللمرة الأولى، شارك بعض أعضاء الجمعية في كورال الجامعة، في خطوة عكست تداخل الفنون وتكاملها. وبالتعاون مع نادي السينما، نظمنا عروضًا لأفلام عالمية حائزة على جوائز الأوسكار في ذلك الزمن، مثل:
طار فوق عش المجانين، صائد الغزلان، معركة الجسر، كرامر ضد كرامر، وماهوجني (ديانا روس).
🔳كما أقمنا يومًا خاصًا للأفلام القصيرة، عرضنا فيه أفلامًا سودانية مهمة مثل الحبل والجمل لشداد، إلى جانب فيلم لمرسيل خليفة بعنوان قرية من الجنوب، الذي قدّم فيه أغنيته الشهيرة أحنّ إلى قهوة أمي. كذلك عرضنا مسرحية الفنان السوري دريد لحّام كاسك يا وطن، بما تحمله من نقد سياسي ساخر ما زال راهنًا.
🔳ومن أكثر اللحظات طرافة ودلالة، عرضُ باليه بحيرة البجع في قاعة البغدادي بكلية الطب. لم يحضر العرض سوى د. آمال جبر الله (استشارية الطب النفسي) ووالدتي “الشول”، التي كان لها حضور دائم ومميّز في أنشطة الجمعية. وخلال العرض، غادرت د. آمال القاعة، وتبعتها والدتي، وبقيت وحدي مندمجًا مع الباليه. في تلك اللحظة دخل صديقي د. حسان سيد أحمد نصر الله (رحمه الله)، فوجَدني—كما حكى لاحقًا—في حالة من الزهو أصفّق متماهيًا مع العرض. خرج مسرعًا إلى الكافتيريا، ووجد مجموعة من الأصدقاء (ومن بينهم والدتي دون أن ينتبه لها)، وقال ضاحكًا:
«شوفوا عينكم… أبشر جَنّ! قاعد براهو في قاعة البغدادي ويرقص مع الباليه!»
فردّت عليه والدتي قائلة:«يا ولدي يا حسان، أبشر حاول يثقّفكم، لكن الظاهر إنكم ما بتفهموا في الحاجات دي.»
🔳وانفجر الجميع ضاحكين.. كانت أيامًا جميلة، لا بوصفها ذكريات عابرة، بل باعتبارها زمنًا للتكوين العميق. رفقة من الأصدقاء الرائعين، تعلّمنا فيها أن الطب لا ينفصل عن الثقافة، ولا عن السياسة، ولا عن الفن، وأن الطبيب—قبل أن يكون مهنة—هو إنسان مشغول بالمعنى.. لهم جميعًا التحية، أينما كانوا.

