
جالينوس الطبي الصحة من لدن خبير
📌بروفيسور أبشر حسين يكتب : مريض صرع بعد النوبة طلّق زوجته.

✍️بروفيسور أبشر حسين
💢( خ ع.م) من أعز أصدقائي رجلٌ تمتد علاقتي به لأكثر من خمسين عامًا. كلما مررتُ بمشكلة وجدته أمامي، سندًا وصاحبًا وفيًّا لا يتأخر.
ذهبتُ ذات يوم لزيارته في منزله، فوجدته على غير عادته متجهم الوجه، قليل الكلام. قدّم لي واجب الضيافة، فشربتُ العصير سريعًا، إذ بدا لي أنني حضرت في وقت غير مناسب، وهممت بالانصراف. لكنه شعر بما يدور في نفسي وقال:
يا أبشر، أنت لست غريبًا، والحقيقة أنني اليوم رميت يمين الطلاق على زوجتي.
كنت أعرفه جيدًا؛ رجل طويل البال، متدين، حسن الخلق. وكنت دائمًا أمازح بعض أصدقائي المتدينين فأقول لهم: «دينكم كلاسيكي وبعيد عن الفقه المتجدد».
ففاجأته بالسؤال:
— هل طلقتها طلاقًا سُنِّيًا أم طلاقًا بدعيًا؟
نظر إليّ بدهشة وقال:
— ماذا تعني؟
قلت له:
— الطلاق السني أن يطلق الرجل زوجته في طُهرٍ لم يمسها فيه.
ازدادت دهشته، فنظرتُ إلى مكتبته العامرة التي استعرتُ منها كثيرًا من الكتب، وقلت له:
— تعال نرجع إلى أمهات كتب الفقه.
فأحضرنا:
– “أقرب المسالك” في الفقه المالكي،
– “متن أبي شجاع” و“نهاية المحتاج” في الفقه الشافعي،
– “عمدة الفقه” و“زاد المستقنع” في الفقه الحنبلي،
– و“رد المحتار على الدر المختار”، المعروف بحاشية ابن عابدين، في الفقه الحنفي.
قلت له:
— افتح باب الطلاق في أي واحد من هذه الكتب.
ففعل، ووجد ما أقصده. ثم قال لي:
— إذًا ماذا أفعل؟
فقلت له:
— افعل كما فعل عبد الله بن عمر.
ثم ذكّرتُه بالقصة المشهورة: أن أم المؤمنين حفصة بنت عمر أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخاها عبد الله بن عمر طلّق زوجته وهي حائض، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال لعمر:
«مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا».
ثم ينتظر حتى تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلّق. ولذلك سُمِّي هذا الطلاق طلاقًا بدعيًا، لأنه خالف الهيئة المشروعة، وإن كان جمهور الفقهاء يرون وقوعه مع الكراهة والإثم.
عمل صديقي بما قلت له، وقال يومها:
— سأطلقها بعد ذلك.
لكن الأيام مرّت، ثم الشهور، ثم السنوات، ولم يطلق زوجته أبدًا. بل أنجب بعدها ثلاثة أبناء وبنتًا، وكان يمازحني قائلًا:
— هؤلاء أولاد أبشر!
ومن خلال هذه الحادثة يتضح أن الطلاق ليس مجرد لفظ يُقال في لحظة غضب، بل له شروط وضوابط دقيقة تناولها الفقهاء بتفصيل عميق.
شروط الطلاق المتعلقة بالزوج:
– العقل.
– البلوغ.
– الاختيار، فلا يكون مكرهًا.
– القصد، أي أن يقصد التلفظ بالطلاق.
الشروط المتعلقة بالزوجة :
– أن تكون في عصمة الزوج.
– التعيين، كأن يقول: “زوجتي فلانة طالق”.
شروط صيغة الطلاق
تنقسم إلى:
أولًا: الصريح
مثل:
– “أنتِ طالق”.
ثانيًا: الكناية
مثل:
– “اذهبي إلى أهلك”.
وهذه تحتاج إلى نية الطلاق.
الطلاق والجانب الطبي والنفسي
هذه من أكثر القضايا تعقيدًا اليوم، لأن كثيرًا من حالات الطلاق تقع أثناء:
– الغضب الشديد،
– الاكتئاب،
– اضطرابات الشخصية،
– الصرع وبعض اضطرابات الوعي،
– التسمم الدوائي أو المخدرات،
– الأمراض العصبية التنكسية.
وقد ناقش الفقهاء قديمًا مسألة:
– الإغلاق،
– والغضب،
– وزوال التمييز.
وفي الحديث:
«لا طلاق ولا عتاق في إغلاق».
وقد اختلف العلماء في تفسير “الإغلاق”:
– فقيل: الإكراه،
– وقيل: الغضب الشديد،
– وقيل: انسداد القصد والإدراك.
وهذا الباب يحتاج أحيانًا إلى تكامل بين الفقيه والطبيب النفسي أو العصبي، خاصة عندما تتأثر الإرادة أو القدرة على التحكم في الكلام والسلوك.
وقد قسّم الفقهاء الغضب إلى درجات:
1. غضب يسير: يقع معه الطلاق.
2. غضب شديد مع بقاء الإدراك: يقع عند جمهورهم.
3. غضب يزيل الإدراك أو يجعل الإنسان لا يعي ما يقول: لا يقع.
وهذه النقطة ترتبط اليوم بمفاهيم حديثة في علوم الأعصاب، مثل:
– التحكم التنفيذي بالمخ،
– اضطرابات الاندفاع،
– وظائف الفص الجبهي،
– والتأثيرات الهرمونية والعصبية على السلوك.
ولذلك أصبحت كثير من المجامع الفقهية المعاصرة تميل إلى دراسة كل حالة بظروفها الطبية والنفسية، بدل الاكتفاء بالنظر إلى اللفظ وحده.
لاذلت اذكر ان تشكلت لجنة فى مجلس الافتاء السودانى لمناقشة حالة مريض يعانى من مرض الصرع وقد اشتكت زوجته انه طلقها اكثر من ثلاثة طلقات،كنت عضو بهذه اللجنة واثناء استجواب المريض واثنين من ابنائه اتضح انه بعد ان يصاب بنوبات الصرع ويصحى بعد فترة يرمى يمين الطلاق واثناء استجوابى لولديه اتضح انه يلخبط بين اسمائهم وقمت بتشخيص الحالة post ictal confusion اى التشوش الذهني ما بعد الاختلاج/ما بعد الصرع
والمقصود بها: حالة من اضطراب الوعي أو التشوش الذهني تحدث بعد انتهاء نوبة الصرع، خاصة النوبات التشنجية، وقد يظهر فيها المريض بصورة:
مشوش الذهن
بطيء الاستجابة
غير مدرك للزمان أو المكان
كثير النعاس
أحيانًا عدواني أو هائج
وقد يعاني من ضعف مؤقت أو صعوبة في الكلام
وتختلف مدتها من دقائق إلى ساعات، وأحيانًا أطول بحسب نوع النوبة ومكان البؤرة الصرعية. وكان قرار اللجنة ان هذه الطلقات لاتقع.

