Uncategorized

📌د. محمد عبد المنعم محمود بشير يكتب : الكويت ومعركة الكرامة وملف القطاع الصحي

د. محمد عبد المنعم محمود بشير

جالينوس الطبي الصحة من لدن خبير

 

📌د. محمد عبد المنعم محمود بشير يكتب : الكويت ومعركة الكرامة وملف القطاع الصحي.

✍️ د. محمد عبدالمنعم محمود بشير

 

الأخوة الحقيقية تُزَيِّن سماء ليلٍ حالك في أوقات الشدائد: تاريخ دولة الكويت الداعم للسودان تجارب حية تُوّجت مؤخرًا بهبوط أول طائرة دولية في مطار الخرطوم عقب اندلاع الحرب

الحدث الأخير لم يكن مجرد رحلة جوية فحسب، بل مثِّل للسودانيين جسرَ أملٍ يعكس استحقاق الكويت لمكانتها في قلوب السودانيين، مواقف ترتكز علي سياسة دولة تؤمن بـ”السند للشقيق” كما يعبِّر عنها قادة الكويت دائمًا. يأتي هبوط رحلة الخطوط الجوية الكويتية الأولى في مطار الخرطوم اليوم الثامن والعشرين من شهر أبريل للعام 2026 تتويجاً مشرفاً لهذه المواقف، فقد حملت رحلة اليوم 292 مواطنًا سودانيًا عائدًا إلى الوطن لتكون بذلك أول رحلة دولية تحطّ في المطار منذ توقفه عن العمل. وكما أعلن سعادة الدكتور فهد الظفيري، سفير الكويت لدى السودان، فإن هذا الإنجاز يعكس “اعتزاز الكويت بأن تكون أول شركة طيران أجنبية” تعاود الطيران إلى السودان. إنَّ هذه المواقف تجعل الكويت تستحق مكانة خاصة في قلوب السودانيين، ليست كدولة شقيقة فحسب ولكن أختاً كريمةً في الشدائد.

تحت شمس الخرطوم الحارقة ومن ضمن العائدين اليوم، يترآي مستبشراً رجلٌ سبعيني يحمل حقيبة صغيرة ويقول لمن حوله: “الكويت ما قصّرت… والله ما قصّرت”. كان صوته مبحوحاً من السفر، لكن العبارة خرجت صافية كالماء. توقفتُ عندها طويلاً. لماذا يظل اسم الكويت، في الوجدان السوداني، مقروناً بالوفاء؟ ولماذا كلما اشتدت المحنة، عاد الناس إلى سرد الحكايات القديمة ذاتها—حكاية المستشفى الذي بُني، والطالب الذي تعلّم، والأسرة التي أُغيثت، والمطار الذي عاد إليه نبض الحياة؟

الحقيقة إنَّ العلاقات بين السودان والكويت ليست مجرد علاقات دبلوماسية تُكتب في بيانات وزارات الخارجية، ولا هي مجاملات عربية موسمية تنطفئ بانطفاء المناسبة. كلا. نحن أمام سيرة ممتدة من الأخوة العملية؛ أخوة تُقاس بما فُعل، لا بما قيل. ومن يعرف السودان، يعرف أن السوداني لا يمنح قلبه بسهولة، لكنه إذا أحبّ وأقرّ بالجميل، حفظه دهراً.

منذ ستينيات القرن الماضي، حين كانت دول عربية كثيرة تنشغل ببناء ذاتها، كانت الكويت تنظر بعينٍ واسعة إلى محيطها العربي، وتدرك أن نهضة أي قطر عربي لا تنفصل عن نهضة الآخر. فكان السودان، بأرضه الرحبة ونيله العتيق وطاقاته البشرية، واحداً من ساحات هذا الإيمان. دخل الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية مبكراً إلى مشروعات البنية التحتية والزراعة والطرق والكهرباء. قد ينسى الناس أسماء العقود والأرقام، لكنهم لا ينسون الأثر.

في الجزيرة، وفي ولايات النيل، وفي أطراف العاصمة، تسمع كبار السن يقولون: “هذا المشروع كان للكويت فيه يد”. وربما يختلفون في التفاصيل—والذاكرة الشعبية تُخطئ أحياناً—لكنها لا تُخطئ في الجوهر. الجوهر أن الكويت حضرت حيث احتاج السودان إلى من يسانده.

بحسب تقرير اقتصادي إقليمي صدر في مطلع ٢٠٢٦، فإن التمويلات التنموية الكويتية للسودان عبر عقودٍ ساهمت في قطاعات الري، والنقل، والصحة، والتعليم، بنسب تأثير تراكمية تجاوزت ٣٠٪ في بعض المشروعات المشتركة. الأرقام هنا ليست للتفاخر، بل للتذكير فقط بأن الخير حين يُدار بمؤسسات، يصبح أبقى من الخطب.

ثم جاءت سنوات الشدة السياسية والاقتصادية. والسودان، كما نعرف، بلد عظيم لكنه كثير الابتلاء. مرّ بحروب داخلية، واضطرابات، وتقلبات نقدية، وموجات نزوح، وجفاف، وفيضانات… كأن التاريخ اختبر صبره مرة بعد مرة. وفي هذه المنعطفات، لم تكن الكويت من الواقفين بعيداً يتفرجون.

أتذكر، في إحدى زياراتي الميدانية لإحدي قري السودان قبل أعوام، شحنة مساعدات وصلت إلى مخزن إنساني متواضع. كانت أكياس الدقيق، والأدوية الأساسية، وخيام الإيواء تحمل شعارات جهات كويتية رسمية وأهلية. لا أريد أن أُغرق النص في أسماء المؤسسات، لكن من الإنصاف القول إن المجتمع الكويتي نفسه—لا الدولة وحدها—كان شريكاً في هذا السند. وهذا فارق مهم. حين يتحول العطاء إلى ثقافة شعب، لا مجرد قرار حكومة، فإن جذوره تكون أعمق.

في الثقافة السودانية نقول: “الزول البجيك وقت الضيق، ده أهلك”. والكويت جاءت كثيراً وقت الضيق.

خلال مواسم السيول التي ضربت السودان في أعوام متفرقة، وخصوصاً ما بين ٢٠٢٠ و٢٠٢٤، وصلت مساعدات عاجلة من الكويت، تضمنت مستلزمات إيواء، ومضخات مياه، ومواد غذائية، وأدوية مكافحة الأوبئة. ووفق بيانات إنسانية متداولة آنذاك، استفاد عشرات الآلاف من الأسر في ولايات سنار والنيل الأبيض والخرطوم ونهر النيل. قد تختلف الأرقام النهائية، لكن الثابت أن اليد الكويتية كانت موجودة.

أما في ملف الصحة—وهو ملف أعرف شيئاً من دهاليزه—فالكويت كان لها حضورٌ يليق بها. أثناء جائحة كورونا، حين ارتبكت منظومات صحية أعتى من منظومتنا، تلقى السودان دعماً في صورة لقاحات، ومعدات حماية، وأجهزة طبية، ومنح تشغيلية. لا أقول إن هذا الدعم حلّ كل الأزمة، فهذا غير صحيح، لكنه خفف وطأة لحظة قاسية، ومنح الطواقم الطبية شيئاً من القدرة على الصمود.

وهذا يذكرني بـ… في أحد المستشفيات، قال لي طبيب شاب: “يا دكتور محمد، الناس بتشوف السياسة فوق، لكن نحن بنشوف الكرتونة الجات فيها المستلزمات”. عبارة بسيطة، لكنها تختصر المعنى كله.

ثم انفجرت الحرب في أبريل ٢٠٢٣، ودخل السودان واحدة من أكثر مراحله إيلاماً. انهارت خدمات، تعطلت مطارات، نزح الملايين، وتقطعت السبل بأسر كاملة. في مثل هذه اللحظات، ينكشف المعدن. هناك من يرفع الصوت فقط، وهناك من يفتح مخازنه وموانئه ومجاله الجوي وميزانياته.

الكويت فعلت ذلك.

بحسب إفادات دبلوماسية وإنسانية نُشرت في أكثر من مناسبة خلال ٢٠٢٤ و٢٠٢٥، سيرت الكويت جسوراً إغاثية متتابعة إلى السودان والدول المستضيفة للنازحين السودانيين. شحنات غذاء، أدوية، مواد إيواء، دعم لبرامج الأمم المتحدة، ومساهمات للصليب والهلال الأحمر. وربما الأهم من كل ذلك: رسالة سياسية وأخلاقية تقول للسودانيين إنهم ليسوا وحدهم.

لكن، هل يمكن أن يقول قائل إن الكويت ليست الوحيدة التي ساعدت؟ نعم، هذا صحيح تماماً. دول عربية وأفريقية ودولية قدمت مساعدات مقدرة، وبعضها بذل الكثير. والعدل يقتضي الاعتراف بذلك. غير أن مكانة الكويت الخاصة لا تنبع من حجم دعمٍ منفرد فحسب، بل من الاستمرارية. من كونها لم تظهر فجأة ثم تختفِ، بل ظلت حاضرة عبر العقود، في الرخاء والعسر، في الضوء والظل.

والسوداني بطبعه يقدّر الاستمرار أكثر من اللمعة العابرة.

في الأسواق الشعبية بالسودان، وفي مجالس المغتربين العائدين، تسمع قصصاً صغيرة لا تكتبها التقارير الرسمية. شاب درس بمنحة. مهندس عمل سنوات في الكويت وعاد ليبني بيت أسرته في أم درمان. مريض تلقى علاجاً. أسرة وجدت كفالة في ظرف صعب. هذه القصص المتناثرة هي التي تصنع الرصيد الحقيقي بين الشعوب.

الجالية السودانية في الكويت أيضاً كانت جسراً إنسانياً لا يستهان به. عشرات الآلاف من السودانيين عاشوا هناك على مدى سنوات، أطباء، معلمون، مهندسون، محاسبون، عمال مهرة، وأصحاب مهن. وجد كثيرون فرصاً عادلة وكرامة معيشية. نعم، مثل أي تجربة اغتراب توجد صعوبات وتحديات، لكن الصورة العامة ظلت إيجابية إلى حد بعيد. والسوداني حين يعود من الكويت، يعود غالباً وفي صوته امتنان ظاهر.

وليس سرّاً أن الكويتيين أنفسهم يحظون في السودان بمحبة خاصة. ربما لأن التواضع يسبقهم. وربما لأنهم لم يتعاملوا يوماً بفوقية. وربما لأن الناس تلتقط النبرة قبل الكلام.

في تراثنا العربي، لا يُشكر الإنسان على واجبه فقط، بل يُشكر على حسن أدائه للواجب. والكويت أدّت واجب الأخوة بحسنٍ زائد. ولهذا استقرت في القلوب.

قد يسأل شاب من الجيل الجديد: ما الفائدة من استدعاء هذا التاريخ الآن؟ أقول: الفائدة كبيرة. نحن في زمن سريع النسيان، تُبتلع فيه المواقف النبيلة تحت ركام الأخبار اليومية. وإذا لم توثّق الشعوب من وقف معها، صارت الذاكرة جافة، وصار الجميل عابراً. ثم إن المستقبل يُبنى أيضاً على الثقة المتراكمة، لا على المصالح المؤقتة فقط.

السودان اليوم يحتاج إلى إعادة إعمار واسعة، وإلى شراكات محترمة، وإلى استثمارات ذكية في الزراعة والموانئ والطاقة والصحة والتعليم. والكويت، بما تملكه من خبرة مالية وتنموية ورصيد عاطفي لدى السودانيين، مؤهلة لتكون شريكاً مركزياً في المرحلة المقبلة. لا من باب الإحسان وحده، بل من باب المصلحة المشتركة أيضاً. فالسودان بلد الفرص الكبيرة، إذا استقام أمره.

كقوله تعالى: “هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ”. والآية هنا ليست زينة بل ميزان. من أحسن إليك، فاذكر إحسانه، وابنِ عليه، ولا تكن من الجاحدين.

أعرف أن السياسة تتبدل، وأن الحكومات تتغير، وأن المصالح قد تتشابك. لكن تبقى هناك طبقة أعمق من كل ذلك: طبقة المشاعر الشعبية. وهذه، صدقاً، لا تُشترى ولا تُفرض. تُكتسب فقط. والكويت اكتسبتها في السودان بعرق السنين.

ولذلك، حين يقول مسن سوداني بسيط في رحلة عودته لأرض الوطن أو آخر في سوق مزدحم: “الكويت ما قصّرت”، فهو لا يطلق عبارة عابرة. إنه يلخص ستين عاماً من الذاكرة في خمس كلمات.

يبقى السؤال الآن: هل نُحسن نحن، في السودان، تحويل هذا الامتنان إلى مشروع تعاون جديد يليق بالتاريخ… أم نتركه مجرد حنين جميل يُروى في المجالس؟

في الختام نقول لشعب الكويت ولقادتها: شكرًا من أعماق قلوبنا. امتناننا لكم ليس مؤقتًا، هو إرثٌ متصل سيُروى للأجيال. فلتدم الأخوة السودانية-الكويتية رمزًا للتضامن العربي.

لقد حملت الرحلة رمزية للأمل والعودة إلى الاستقرار وقدَّمت دليلاً عملياً على وقوف الكويت “إلى جانب الشعب السوداني” في دعم أمنه ووحدته وإعادة إعماره.

د. محمد عبد المنعم محمود بشير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى