📌عبق طب الأسرة // اختصاصي طب الأسرة والسكري.. د. رذاذ عبدالحي تكتب : حكاية المريضة التي علمتني أن واجبنا كأطباء لا يقتصر على طلب الفحوصات الحديثة، بل يبدأ من العودة إلى أصل الطب.
د. رذاذ عبدالحي

جالينوس الطبي الصحة من لدن خبير

📌عبق طب الأسرة // اختصاصي طب الأسرة والسكري.. د. رذاذ عبدالحي تكتب : حكاية المريضة التي علمتني أن واجبنا كأطباء لا يقتصر على طلب الفحوصات الحديثة، بل يبدأ من العودة إلى أصل الطب.
✍️د. رذاذ عبدالحي
🔳«Listen to your patient
he is telling you the diagnosis»
— Sir William Osler (السير ويليام أوسلر)
🔳في أروقة العيادات المزدحمة، حيث تتزاحم المواعيد وتتسارع عقارب الساعة، ننسى أحيانًا أن أقوى أداة تشخيصية يمتلكها الطبيب ليست جهاز الرنين المغناطيسي ولا الفحوصات المخبرية المعقدة، بل هي قدرته على «الإنصات الجيد». إن الإنصات بقلب حاضر وأذن واعية ليس مجرد فضيلة أخلاقية أو أسلوب تعامل لطيف، بل هو ركن أساسي في صلب الطب.
🔳فالطبيب الذي يُحسن الاستماع يترك مريضه يمنحه مفتاح التشخيص بكل بساطة ووضوح.
🔳دخلت عليّ العيادة مريضةٌ يكسو وجهها الإرهاق وتنطق عيناها بالخوف واليأس. قالت لي بنبرة خافتة وهي تضع أمامي ملفًا مليئًا بالتقارير: “دكتورة، لي شهر كامل أعاني من صداع لا يطاق.. لم أترك فحصًا إلا وأجريته، عملت صورًا مقطعية للرأس، ورنينًا مغناطيسيًا، وتحاليل دم شاملة، وكل الأطباء يقولون إن كل شيء سليم، لكن رأسي يكاد ينفجر!”.
🔳نظرتُ إلى كثرة الفحوصات والتردد الواضح على وجهها، ثم أغلقتُ الملف، وجلستُ مقربةً الكرسي، وقلت لها بهدوء: “دعكِ من الصور والتقارير الآن، واحكي لي بالتفصيل.. كيف يبدأ هذا الصداع؟ وكيف تشعرين به؟”.
🔳تنفسَت الصعداء وكأنها تُخرج عبئًا ثقيلًا من صدرها، وبدأت تتحدث. مع كل كلمة كانت تقولها، كانت تفاصيل اللوحة تتضح جلية، تفاصيل غابت عن كل الأجهزة المتطورة لأن أحدًا لم يمنحها الوقت لترويها:
🔳تحدثت عن ألم نبضي كأن هناك مطرقة تضرب داخل رأسها (throbbing)، وعن انزعاجها الشديد من الضوء (photophobia) والروائح الشديدة، وكيف أن الأضواء تجعل الألم مضاعفًا. ذكرت أيضًا أن الصداع يشتد بشدة مع اقتراب دورتها الشهرية، وأن نوباته تأتي أحيانًا في جهة واحدة من الرأس وتارة في الجهتين.
كل هذه التفاصيل البسيطة والدقيقة لم تكن بحاجة إلى أشعة مقطعية ولا إلى رنين مغناطيسي يُرعب المريض داخل أجهزته.
🔳 كانت الفحوصات سليمة تمامًا لأن الصداع لم يكن ورمًا ولا نزيفًا، بل كان حالة كلاسيكية جليّة من صداع الشقيقة (Migraine).
لقد مرت المريضة بشهر كامل من القلق والخوف والآلام المتواصلة، والتكاليف المادية المرهقة، فقط لأن الأطباء السابقين اكتفوا بكتابة طلبات الأشعة والتحاليل دون أن يمنحوها دقائق معدودة للجلوس والإصغاء لأخذ التاريخ المرضي التفصيلي (Detailed History).
🔳إن أجساد المرضى تتحدث بلغة الآلام، وواجبنا كأطباء لا يقتصر على طلب الفحوصات الحديثة، بل يبدأ من العودة إلى أصل الطب: أن نجلس، ونُنصت، ونسمع الحكاية كاملة. ففي حكاية المريض ومفرداته البسيطة، يكمن التشخيص والعلاج دائماً.

