📌استراحة الجمعة //بروفيسور أبشر حسين يكتب : حينها لم تكن حياتنا الجامعية بطب الخرطوم كتبًا ومحاضرات وامتحانات فقط، وإنما هي أيضًا صداقة، وفن، وأدب، وموسيقى، وذكريات تبقى معنا مهما ابتعدت بنا الأيام
بروفيسور أبشر حسين

جالينوس الطبي الصحة من لدن خبير
📌استراحة الجمعة //بروفيسور أبشر حسين يكتب : حينها لم تكن حياتنا الجامعية بطب الخرطوم كتبًا ومحاضرات وامتحانات فقط، وإنما هي أيضًا صداقة، وفن، وأدب، وموسيقى، وذكريات تبقى معنا مهما ابتعدت بنا الأيام.

✍️ بروفيسور أبشر حسين
🔳محمود (حودة) واحد من أصدقاء الزمن الجميل؛ إنسان مهذب، رقيق المشاعر، ودود، و«أخو أخوان» تعرّفت إليه في أول يوم للتسجيل، ونحن نبدأ حياتنا في كلية الطب بجامعة الخرطوم عام 1978 ، ثم سكنّا معًا.
🔳لم تكن حياتنا في كلية الطب محصورة في دائرة المحاضرات والمذاكرة والامتحانات؛ فقد كانت هناك حياة أخرى زاخرة بالنشاط والحيوية. كنا نحضر الاحتفالات وأسابيع الكليات المختلفة، ونشارك في أنشطة جمعيات كلية الطب، مثل جمعية الدور الخيرية، وجمعية الصحة النفسية، وجمعية الثقافة، وجمعية الموسيقى والمسرح، التي توليت رئاستها لفترة.
🔳وفي الغرفة التي كنا نسكن فيها، كان محمود معتادًا، قبل أن نخلد إلى النوم، أن يشغّل جهاز تسجيل صغيرًا لديه، ويضع عليه أغاني أم كلثوم بصوت منخفض، مراعاةً لي، لأنه كان يعرف أنني قليل النوم، وأنني كثيرًا ما أبقى ساهرًا طوال الليل. وإذا لم أكن أقرأ في كتب الطب، كنت أقرأ الروايات.
🔳وفي تلك الفترة كنا مأخوذين بالأدب العالمي والعربي؛ نقرأ لغابرييل غارسيا ماركيز، وعبد الرحمن منيف، وجبرا إبراهيم جبرا، وصنع الله إبراهيم، ونعيش عوالمهم الروائية بشغف. وفي الجانب الآخر كانت الموسيقى الحماسية لمارسيل خليفة تملأ وجداننا، وهو يصدح بأشعار سميح القاسم ومحمود درويش.
🔳أما أم كلثوم، فقد كنت في ذلك الوقت غير معتاد على صوتها، ولم تكن من الأغاني التي أستمع إليها. لكن محمود كان يحبها حبًا خاصًا، وكان يكرر على مسامعي أغنية «هذه ليلتي»، التي كتب كلماتها جورج جرداق ولحنها محمد عبد الوهاب.
🔳ومرت الأيام، يومًا بعد يوم، وطال بي الاستماع إلى أم كلثوم من خلال محمود، حتى تعوّدت أذناي على صوتها، وأصبح ذلك الصوت جزءًا من لياليّ. بل أصبحت، مثل أخي محمود، لا أكاد أنام قبل أن أستمع إلى «أنت عمري» و «الأطلال» و «أمل حياتي» و«رباعيات الخيام» وغيرها من روائع كوكب الشرق.
🔳وهكذا، لم يكن محمود مجرد زميل دراسة أو رفيق سكن؛ كان واحدًا من أولئك الأصدقاء الذين يضيفون إلى حياتك شيئًا لا تنساه. علّمنا، من حيث لا يدري، أن الحياة الجامعية ليست كتبًا ومحاضرات وامتحانات فقط، وإنما هي أيضًا صداقة، وفن، وأدب، وموسيقى، وذكريات تبقى معنا مهما ابتعدت بنا الأيام.
🔳سلامي لأخي محمود يسن (حودة)، أينما كان. لقد تعلّمنا منه الكثير، وما زالت بعض أجمل ذكريات تلك الأيام مرتبطة بصوته الهادئ، وصداقته النبيلة، وجهاز التسجيل الصغير الذي كان يفتح لنا، كل ليلة، نافذة على عالم أم كلثوم.

