Uncategorized

📌عبق طب الأسرة // اختصاصي طب الأسرة والصحة العقلية.. د. رذاذ عبد الحي تكتب : نداء الأزل.. من ميثاق الذر إلى غربة الوعي

د. رذاذ عبدالحي

جالينوس الطبي الصحة من لدن خبير. 

📌عبق طب الأسرة // اختصاصي طب الأسرة والصحة العقلية.. د. رذاذ عبد الحي تكتب : نداء الأزل.. من ميثاق الذر إلى غربة الوعي. 

✍️د. رذاذ عبد الحي

🔳في عمق الكينونة البشرية يسكن شعور غامض ودفين، يطفو أحياناً على سطح الوعي كأنه صدى لنداء قديم، يدفعه للبحث المستمر: لماذا ننجذب غريزياً للعدل؟ ولماذا يتألم الضمير للباطل قبل أن ينطق القانون؟ هل الأخلاق والحرية مجرد خيارات اجتماعية اكتسبناها في رحلة التطور، أم إنها بصمة أزلية طُبعت في نسيج الروح قبل أن تستقر في هياكلنا الطينية؟ إن المتأمل في تجربة الوجود الإنساني من منظور يجمع بين الشريعة، الفيزياء، والفلسفة، يجد نفسه أمام الحقيقة الكبرى التي نص عليها القرآن الكريم في حديثه عن ميثاق عالم الذَرّ، ذلك الموقف الأزلي الذي يتجاوز حدود أبعادنا المادية، حين أخرج الله الذرية من صلب آدم في عالم الأرواح التجردي وأشهدهم على أنفسهم: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا). هناك، في ذلك المحفل الأول، قَبِل الإنسان الأمانة؛ أمانة العقل، الإرادة الحرّة، والوعي، بعد أن أشفقت منها السماوات والأرض والجبال.

🔳إن التفسير الفلسفي لهذه اللحظة لا يعني مجرد حادثة تاريخية أفقية نسيها العقل الجسدي، بل هو تشفير روحي محفور في الـ (DNA) المعنوي لكل إنسان، فالعقل البشري الذي نفكر به اليوم هو “العتاد المادي” المصمم لإدارة الحياة الأرضية، بينما الفطرة هي الذاكرة الروحية اللاواعية التي تتصل بذلك الميثاق الأول. وقد شغل هذا المفهوم كبار المفكرين عبر التاريخ؛ فبينما ذهب المفسرون الأوائل كالإمامين الطبري والقرطبي إلى ظاهر الاستخراج الحسي للأرواح، غاص علماء المدرسة العقلية والفلسفية في عمق المعنى، حيث رأى الإمام ابن القيم أن أثر ذلك الميثاق الباقي هو الفطرة، فالمعرفة بالإله والنزوع نحو الحق ليسا علماً مكتسباً بالكلية، بل هما استجابة لبصمة غريزية أودعها الخالق في أصل الخلقة، بينما اعتبر الملا صدرا أن عالم الذر مستوى عالٍ من الوجود المجرد كانت الروح فيه تشاهد الحقائق بلا حجاب المادة قبل أن تُطوّق بالحواس.

🔳وفي هذا الفضاء المتسع، يبرز التلاقي البديع بين العلم والإيمان في طروحات الدكتور مصطفى محمود، الذي رأى أن الروح هي أصل الطاقة الواعية، وأن الأمانة التي حملها الإنسان هي حريته في الاختيار، مشيراً إلى أن توق الإنسان المطلق للعدل والجمال والكمال في عالم ممتلئ بالنقص والظلم هو أقوى دليل فيزيائي ونفسي على أن أصل الروح يعود لعالم آخر مطلق العدل والجمال. ومن الناحية النفسية والعصبية، تُظهر الشخصيات ذات الوعي العالي والشفافية الروحية ما يُعرف بالمعالجة الأخلاقية الفائقة، حيث ترفض أرواحهم الزيف وينجذبون نحو الصدق والعدالة بدفع داخلي لا يقاوم.

🔳وهنا تتقاطع الفيزياء الحديثة مع السلوك الروحي؛ فالنظرية النسبية أثبتت أن الزمكان نسيج مرن وخلق محدث، وأن الزمان والمكان ليسا مطلقين، وبالتالي فإن الروح عندما تتحرر من كثافة الجسد — سواء بالصفاء الروحي، أو أثناء النوم، أو عند انكشاف الحجب — فإنها تتجاوز أبعاد المادة وتستقبل إشارات من عالم الملكوت كالرؤى الصادقة، أو تشعر بتلك الغربة الشهيرة بين البشر. إن الإنسان الذي يحافظ على تشفير ميثاق الذر ناصعاً، ويرفض أن يغطي فطريته بطبقات الرَّان والمصالح السطحية، سيعيش حتماً حالة من غربة الوعي، وهي غربة النفوس الشريفة التي تتوق للمقام الأعلى؛ فالضمير الحي ليس عبئاً، بل هو البوصلة التي تذكر صاحبها دائماً بأن أصله نوراني، وأن هذه الحياة ما هي إلا مضمار لتمحيص الأمانة، فمن عَرَف قدر روحه، وأدرك سر ميثاقه، صان عهده، ولم يرضَ في الأرض إلا بمقام يليق بأمانة السماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى