Uncategorized

📌عبق طب الأسرة //اختصاصي طب الأسرة والصحة العقلية د. رذاذ عبدالحي تكتب : أرواح تحت وهج العبقرية.. عندما يُولد الإبداع من رحم المعاناة النفسية

د. رذاذ عبدالحي

جالينوس الطبي الصحة من لدن خبير 

📌عبق طب الأسرة //اختصاصي طب الأسرة والصحة العقلية د. رذاذ عبدالحي تكتب : أرواح تحت وهج العبقرية.. عندما يُولد الإبداع من رحم المعاناة النفسية. 

✍️ د. رذاذ عبدالحي 

🔳في أروقة التاريخ المعتمة، وفي زوايا اللوحات التي أذهلت العالم، وبين أسطر المقطوعات الموسيقية والأفكار العلمية التي خلدتها البشرية، يُختبئ سرٌّ طالما تحاشى المجتمع الحديث الحديث عن كنهه: إن الإبداع الإنساني الفذ كثيراً ما وُلد من قلب المعاناة النفسية.

عقودٌ طويلة والمجتمع يتعامل مع الاضطراب النفسي كـ “وصمة” أو “عجز” يُستحى منه، في صمتٍ ثقيل يُقصي عقولاً جبارة ويخنق طاقاتٍ كان يمكن أن تُغير مجرى العالم. لكن الحقيقة العلمية والتاريخية تصرخ بعكس ذلك؛ فالعقل الذي يخوض معارك نفسية ضارية، هو غالباً العقل ذاته الذي يرى ما لا يراه الآخرون، ويشعر بما لا تدركه الحواس التقليدية.

🔳قامات تاريخية في مهب العاصفة النفسية

لم يكن فينسنت فان جوخ مجرد رسام، بل كان روحاً تتأرجح تحت ثقل اضطراب المزاج والوجد، ليمنح العالم لوحته الخالدة “ليلة النجوم” من داخل جدران مصحة نفسية. ولم يكن الموسيقار الخالد لودفيغ فان بتهوفن، ولا الفيزيائي الفذ إسحاق نيوتن بمعزل عن ظلال الاكتئاب والتقلبات النفسية الحادة.

🔳ولم تقف القائمة عند هؤلاء؛ فالأديبة البريطانية فيرجينيا وولف صاغت أروع الروايات في التاريخ الحديث وهي تخوض صراعاً مريراً مع اضطراب وجداني ثنائي القطب. والروائي الروسي العظيم ليو تولستوي، صاحب “الحرب والسلام”، كتب أعمق أفكاره الفلسفية وسط نوبات اكتئاب وجودي حاد. حتى عالم الرياضيات الشهير جون ناش (الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد)، خاض معركة شهيرة مع الفصام دون أن يمنعه ذلك من إعادة تشكيل المفهوم الحديث لنظرية الألعاب، والزعيم البريطاني وينستون تشرشل الذي أدار الحرب العالمية الثانية ببراعة وهو يطلق على اكتئابه الشديد لقب “الكلب الأسود”.

لقد أثبتت الدراسات والأبحاث الحديثة وجود خيطٍ رفيع ومثبت بين التفكير الإبداعي المتشعب (Divergent Thinking) وبين بعض الأنماط والاضطرابات النفسية. إن العقل المبتكر ليس عقلاً نمطياً، بل هو عقل شديد الحساسية للتفاصيل، واسع الخيال، يمتلك قدرة استثنائية على الربط بين الأفكار المتباعدة—وهي ذاتها الخصائص التي قد تجعله عرضة للقلق العالي، الاكتئاب، أو تقلبات المزاج.

🔳من “الرحمة والشفقة” إلى “التمكين والاعتراف”

إن التحدي الأكبر اليوم لا يكمن في وجود المرض النفسي، بل في “الوصمة المجتمعية” التي تسجن المريض في زاوية العزلة والخوف. عندما نوصم الإنسان لمجرد أنه يخوض معركة مع عقله أو مشاعره، فنحن لا نؤذيه وحده، بل نحرم المجتمع بأكمله من نتاج عقله وإبداعه.

🔳إن المطلوب اليوم ليس مجرد التعاطف السلبي أو إبداء الشفقة، بل التحول نحو بيئات تمكينية احتوائية:

في العمل والتعليم: بإفساح المجال لأساليب عمل مرنة تُقدر النتاج الإبداعي وتستوعب التقلبات النفسية دون إقصاء أو تمييز.

في الثقافة المجتمعية: بردم الفجوة بين الصحة الجسدية والنفسية؛ فالجسد الذي يمرض يُعالج ويُحترم، والعقل الذي يتألم يستحق الدعم والاحتواء ذاته دون خجل أو مواربة.

🔳كلمة أخيرة.. إن أصحاب الأرواح الحساسة والعقول المبتكرة ليسوا “عالة” على المجتمع، بل هم ثروة إنسانية بحاجة إلى بيئة آمنة تمنحهم حق الحياة، وتفسح لهم الطريق ليزهروا ويُبدعوا. لقد حان الوقت لننزع عن الجسد والنفس جلباب الوصمة المجتمعية المظلم، ونرى في كل مريض نفسي إنساناً كاملاً يحمل في داخله ضوءاً خاصاً، ينتظر فقط من يفسح له الطريق كي يضيء العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى