
♨️ مقالات طبية
📌 بروف أبشر حسين يكتب : رؤيتي عن Telemedicine (الطب عن بعد)

✍️ بروف أبشر حسين
◼️أثناء فترة عملي ما بعد اندلاع الحرب لاحظت بعض السلبيات فيما يخص ما يُعرف بالطب عن بُعد أو (التليمِدْسِن). قد تكون ظروف الحرب قد دفعت المرضى وأطبائهم المعالجين عن بُعد لاستخدام هذه الوسيلة، ولكن في بعض الأحيان تكون مضارها كبيرة.
◼️أذكر أن أحد المرضى، عمره حوالي الستين عامًا، أُحضر إلى عيادتي وهو يعاني من ضعف بالأيدي والأرجل مع بعض الصعوبة في التنفس. وكان المرافق يُصرّ أن أرى صورة الرنين للفقاريات العنقية التي طلبها قريبه الطبيب، الذي يعمل في إحدى دول الخليج، ولكني طلبت منه أن يصبر حتى أنتهي من كشفي السريري.
◼️عندما كشفت على المريض، وجدت فعلاً أنه يعاني من ضعف شديد بالأيدي والأرجل، ولكنه لا يستطيع إغلاق عينيه ولا يستطيع أن يُصفر، وهذه العلامات تعني وجود شلل بالعصب السابع، وتبقى صورة الرنين لفقاريات العنق عديمة الفائدة، بل بالعكس، أخّرت التشخيص والعلاج لأنها أخذت يومين لإجرائها.
ولو قام هذا الطبيب بالكشف على المريض، لعرف أنه يعاني من متلازمة غيلان باري، وكلما تأخّر التشخيص، كلما كانت الاستجابة للعلاج أقل.
◼️ومثال آخر لمريض جاءني يعاني من تنميل بالأرجل ووجع بالحلق، ومن على البُعد وصف له طبيب مضادًا حيويًا، وعندما لم تكن هناك استجابة حضر إلى عيادتي، فكان فعلاً يعاني من التهاب بالحلق وعلامات التهاب العصب الطرفي.
ولكن بالنظر إلى الحلق، وجدت أن هناك نقاط دم على اللهاة، وكان هناك تضخم بسيط بالطحال، وكما توقعت، أظهر فحص صورة الدم وجود ليوكيميا الدم.
◼️أما المثال الثالث، فكان لأحد مرضاي، وجدته يأخذ دوائين يتضاربان مع بعض، وأخبرني بأن طبيب قريبه – من على البُعد – نصحه بأخذ هذا الدواء، وهو لا يعلم التشخيص النهائي.
◼️تذكّرت أثناء هذه الأحداث موقفًا حصل لي مع بروف داوود – رحمه الله – أثناء عملي معه بمستشفى الشعب. سَوَّلت لي نفسي (اللهم لا تكلني إلى نفسي) أن يكون لي وحدة بمستشفى الشرطة.
في أحد الأيام، وأنا أمر على المرضى بمستشفى الشرطة، جاءتني إحدى الممرضات وقالت لي إن هناك رجلًا كبيرًا خارج العنبر يسأل عنك. فقلت لها: “أدخليه المكتب وخليه ينتظرني” (فقد تعلمت من البروف ألا أقطع المرور، كما قال ابن الخطاب عندما قال له أحد الصحابة: الصلاة يا أمير المؤمنين، وقد دخل وقت الصلاة، فقال له سيدنا عمر: ألسنا في صلاة؟).
◼️كانت دهشتي كبيرة عندما عرفت أن الرجل الذي ينتظرني هو بروف داوود. فانتابني الخجل الشديد، ولكنه كسر الصمت قائلًا:
“يا أبشر، مريت اليوم على العنبر في الشعب ووجدت أحد مرضاك يتناول دواء الفينيتوين، وأحدث العلاج بعض الآثار الجانبية، وأردت أن أغيّره بعلاج آخر، فقلت أجي أوريك”
ودّعني ورجع إلى الشعب، وبكيتُ كثيرًا حتى ظن الذين دخلوا من بعده أنه جاءني بخبر موت.
◼️ذهبت إلى مدير المستشفى وأخبرته بأني أعتذر عن الاستمرار في العمل في الشرطة، وأخبرت المرضى بذلك، وقمت بتحويلهم لوحدة د. محيي الدين عبد الله.
أما المرضى الذين أصرّوا على أن أستمر في متابعتهم، فقد نقلتهم بسيارتي إلى مستشفى الشعب.
◼️لا زلت أذكر في اليوم التالي، ونحن نمر مع بروف داوود، فقام البروف بسؤال أحد المرضى:
“أنت دخلت العنبر متين؟”
فرد المريض: “أمبارح العصر، جابني دكتور أبشر من مستشفى الشرطة لأنه قفل وحدته الفي الشرطة.”
◼️ونظرت إلى البروف من تحت عيني (لأني عادة لا أملأ عيني منه)، فوجدته يبتسم ابتسامة، لو وُزّعت لكل بؤساء العالم لكفتهم. فلقد وعيت الدرس: بيتي هو الشعب.
التليمِدْسِن (Telemedicine) أو الطب عن بُعد هو استخدام التكنولوجيا لتقديم الخدمات الطبية عن بُعد، دون الحاجة إلى تواجد المريض والطبيب في نفس المكان.
◼️له بعض السلبيات التي يجب الانتباه لها:
1. تشخيص غير دقيق أحيانًا:
عدم فحص المريض جسديًا قد يؤدي إلى فقدان علامات مهمة لا تُلاحظ عن بُعد.
2. مشاكل في الخصوصية:
نقل البيانات الصحية عبر الإنترنت قد يعرّضها للاختراق إذا لم تكن هناك حماية كافية.
3. ضعف البنية التحتية التقنية:
كثير من المناطق تفتقر للإنترنت الجيد أو الأجهزة المناسبة، خاصة في الدول النامية.
4. صعوبة في التواصل الإنساني:
قد يشعر بعض المرضى بنقص التعاطف أو العلاقة الشخصية مع الطبيب.
5. قيود قانونية وأخلاقية:
بعض الدول لم تُحدّث قوانينها لتناسب الطب عن بُعد، مما يخلق فجوات في المسؤولية القانونية.
6. عدم مناسبة كل الحالات:
الحالات الطارئة أو التي تتطلب فحصًا بدنيًا مباشرًا لا يمكن التعامل معها عن بُعد.

