📌د. مزمل بخيت إبراهيم يكتب :ثقافة “المباركة” ومتطلبات “الحوكمة”: قراءة نقدية في منهجية التغيير الإداري
د. مزمل بخيت إبراهيم

جالينوس الطبي الصحة من لدن خبير
📌د. مزمل بخيت إبراهيم يكتب :ثقافة “المباركة” ومتطلبات “الحوكمة”: قراءة نقدية في منهجية التغيير الإداري.

✍️ د. مزمل بخيت إبراهيم
🔳تتكرر في مؤسساتنا وكياناتنا المختلفة ظاهرة مستمرة تستحق الوقوف عندها بالفحص والتحليل؛ فعندما يُعفى مسؤول ويُعيّن آخر، تنهمر عبارات التهاني والتبريكات للقادم الجديد، وتُزف الأماني الطيبات للمغادر، ثم تنطوي الصفحة وكأن شيئاً لم يكن!
🔳إن التعامل مع التغيير الإداري بوصفه مجرد “حدث اجتماعي” أو طقس من طقوس المجاملة المعتادة، هو بعينه المنهج الذي كَبّل مؤسساتنا وساقها إلى التراجع والتدهور وعدم وضوح الرؤية. إن الأمة التي تسعى للارتقاء بمؤسساتها لا يمكن أن تدار بالتمني، ولا أن تُبنى بالفرض أو التدوير الشكلي للأشخاص.
🔳 ظاهرة التغيير والاستبدال: هل نخضع لمعايير الاستحقاق؟
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه أمام أي تغيير إداري—سواء تعلق الأمر بنقل القيادة بين أسماء مثل د. فتحية شرف الدين ود. هشام، أو المقارنة بين تجارب كـ “البدري” و”فتح الرحمن”—ليس هو “مَن الراحل ومَن القادم؟” على مستوى الأشخاص، بل: هل جاء هذا التغيير بناءً على استحقاق مهني وإداري ومؤهلات موضوعية تجعل الخَلَف في مكان أرفع وأجدر؟ أم أنها ذات الطريقة القاتلة في التبديل التي لا نلمس منها سوى تراجع الأداء وغياب الشفافية؟
🔳إن التغيير المؤسسي الراشد لا يعني إغفال الاحترام الشخصي للجميع، بل يعني رفض المنطق الذي يفرض وجهات النظر ولا يتيح للمجموع فرصة الفهم والتقييم. لا أحد يملك الحق في فرض رأيه على الآخرين، لكن المؤسسات تُدار بآليات وأسس يجب أن تكون معلنة ومكشوفة للجميع.
🔳الأسئلة الأربعة الواجبة للحوكمة
لكي نخرج من هذه الدائرة المغلقة، وننتقل من منطق الانطباعات الفردية إلى التقييم المؤسسي، نحتاج إجابات شجاعة وواضحة عن أربعة أسئلة رئيسية:
1. مَنْ؟ليس على مستوى الاسم أو الانتماء، بل من حيث السيرة المهنية والتراكم الإداري: ما هي مؤهلات الشخص التي تجعله مؤهلاً لهذا التكليف بالتحديد؟
2. مَاذَا؟ لماذا حدث التغيير في هذا التوقيت؟ هل انتهت الدورة التكليفية؟ أم أن هناك إخفاقاً في مؤشرات قياس الأداء (KPIs) يتطلب التصحيح؟ ولماذا وقع الاختيار على هذا البديل دون غيره؟
3. مَا هِيَ؟ ما هي الخطة الإستراتيجية والرؤية التطويرية التي يحملها المسؤول الجديد لانتشال المؤسسة من عثراتها وتطوير أدائها؟
4. كَيْفَ؟ كيف جرت عملية الاختيار والإبدال؟ هل تمّت وفق أطر شفافة ومعايير تنافسية عادلة، أم عبر القرارات الفردية والترشيحات المغلقة؟
المقياس الحقيقي بين النماذج الإدارية
إن المقارنة الحقيقية بين أي نموذجِين إداريين لا ينبغي أن تنحصر في المظهر أو التواجد الاجتماعي، بل في المدرسة الإداريةالتي ينتمي إليها كل منهما:
هل يستند المسؤول إلى العمل المؤسسي المستدام القائم على اللوائح وحماية الحقوق والشفافية؟
أم يعتمد على الاجتهاد الفردي والعلاقات الشخصيةالتي تزول ببتغيّر الأفراد؟
🔳حين نطرح هذه الأسئلة، فإننا لا ننتقص من قدر أحد، بل نضع أساساً متيناً لحماية المؤسسات من التدهور. إن التغيير الذي لا يُبنى على تقييم الفترة السابقة،
🔳ومحاسبة التقصير، واختيار الأكفاء وفق معايير معلنة، لن يكون سوى حلقة جديدة من حلقات “التراجع المستمر”.
لقد حان الوقت لتتحول مجتمعاتنا وكياناتنا من التفرج والمباركة إلى المطالبة بالشفافية والمساءلة، فبغير ذلك ستظل نتائج التغيير هي ذات النتائج: غموض، وتدهور، وغياب للأثر الحقيقي.

